الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

فلامينكو خارج المتحف

لم أكن مشبعا ولا منتشيا، كنت مستمعا متعلما، لم يقاوم بعدها إغراء الوقوف في آخر الليل أمام راقصة خلاسية تؤدي على نحو فقير فقرات فلامينكو لعابري السبيل.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2015/11/04، العدد: 10087، ص(15)]

خوانا خيمينيث، ليست صوتا وجسدا راقصا يؤدي الفلامينكو، وانتهى الأمر، طبعا هي نجمة تفرح بملامحها الرائي، تستظهر القواعد اللازمة للإقناع في فن تواترت الحوافر فيه على مئات الحوافر الغائرة الأثر، واستأثر فيه بالانتباه عازفون ومؤدون وأقدام بحس يتجاوز المهارة إلى المس الشيطاني، ولأن تقاليد هذا الفن تتعب المريدين، وتمتحن صبواتهم، وهي الطفلة التي تتجلى باكتمال ملتبس، وتسعى إلى تخطي تلك التقاليد، فقصاراها أن تكون مؤدية متحققة بفتنة ناقصة، لكن دون عجز أمام الامتحان العسير، يجعلها تتنازل لتتحف العابرين في الساحات وممرات المدن العتيقة.

تبقى حفلاتها في الغالب شهوة لا متناهية إلى التحقق، مثلها مثل مئات فناني الفلامينكو ممن لا تخلدهم متاحف هذا الفن الشهيرة في مدريد وبرشلونة وإشبيلية وقرطبة ومالقة… تلك التي يرتادها العاشقون بتذاكر باهظة الثمن، ويبقى وجودهم تنويعا على أصل أسطوري.

ولأن الخرافة الأساسية في هذا الفن الجبار لا تتعلق لا بجمال الصوت ولا الجسد ولا بروعة الأداء ولا حتى بإتقان التجاوب مع أصداء القيثارة والفناء في ارتداداتها، فإنه ثمة شيء مخيف هو أقرب للصرع، عندما يتوحد العازف مع الراقص المؤدي، إذ تغيب الأحاسيس الفنية الأولية البديهية، وتتحول إلى تحريف يقلب الدقة إلى زيغ منهمر، ينزاح عن القواعد والأصول، ويتمادى في التجديف.

لكن ما بين الوفاء والارتجال، الصنعة وشهوة التحقق الناقصة في هذا الفلامينكو المعجز، ثمة حياة عريضة للمتعة التي لا تحفل كثيرا بالاكتمال ولا برغبة الوجود في وسط التقاليد، شيء شبيه بالرواية الجماهيرية التي لا تعترف بها الأوساط الأكاديمية ويبجلها النقد بخفة.

في النهاية تبقى الرواية الموجودة هي تلك التي تقرأ في وسائط النقل وعبر الأوقات العابرة، وقد تشترى بتسرع وترمى في أقرب سلة مهملات، كتلك الحفلات المرتجلة لفلامينكو الشارع، التي قد تؤديها مغنيات وراقصات على قارعة الطريق أو أمام جمهور زاوية ضيقة، يكون في المحصلة هو المتاح والممكن أمام ملايين العابرين ممن قد لا يتوقون لمعرفة التقاليد ولا النجوم، والذين لا يعني لهم شيئا الوقوف أمام من بقيت قيثاراتهم وأرديتهم تحفا معروضة بعناية في صالات أنيقة بإضاءة خافتة في متاحف شهيرة.

تبادرت كل هذه الأفكار إلى ذهني وأنا أغادر قاعة عرض بأشبيلية، أدت فيها خوانا خمينيث وصلة طويلة، كنت أستعجل فيها النهاية حتى لا أبدو قليل الأدب وأنا أغادر قبل الأوان، لم أكن مشبعا ولا منتشيا، كنت مستمعا متعلما، لم يقاوم بعدها إغراء الوقوف في آخر الليل أمام راقصة خلاسية تؤدي على نحو فقير فقرات فلامينكو لعابري السبيل.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر