الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

لو زار أليكس غروس شارع الحمرا ليلا

حمرا تلك الأيام هي غير حمرا اليوم، إذ باتت تشبه ما يرسمه الفنان الأميركي أليكس غروس في لوحاته السوريالية- الواقعية التي تصور العالم الحديث.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/11/05، العدد: 10088، ص(16)]

شارع الحمرا البيروتي من أجمل الشوارع التي عرفتها ومن أكثر الشوارع التي لم أعد أتعرف عليها خاصة عند حلول الظلام. منذ أكثر من عشر سنوات وأنا أسارع في الخروج من الحمرا كلما بدأت ملامحها الجديدة تتضح وتتكثف لتشبه أي شارع آخر إلاّ الحمرا التي حفظتها عن ظهر قلب، والتي كانت بالنسبة إليّ وإلى الكثير من أقراني بمثابة “البلسم الشافي” لتقرحات أجواء الحرب المزمنة المنخورة بالصمت وقلة الحركة.

كانت بداية قصتي مع شارع الحمرا حينما كانت والدتي تسأل أبناءها “من يريد أن يذهب معي إلى الحمرا؟” لتكون الإجابة دوما “أنا!” وبكل فرح واستعداد. كانت نزهات تتوالى غير مُملة حتى في تكرارها.

هناك في الحمرا كان في انتظاري الصخب وتصفّح المجلات ومقابلة الناس الذين سئموا من الحرب، وبضعة مشتريات كنت أنال نصيبي منها بكل فخر واعتزاز. كانت النزهات تنتهي بمرورنا بأحد متفرعات شارع الحمرا بالقرب من شجرة تحمل، أو ستحمل زهور المانيوليا البيضاء والضخمة.

بعد مرور عدة سنوات صرت أواظب على زيارة الحمرا أنا وأصدقائي خلال فترة الدراسة الجامعية، أي خلال أواخر الحرب اللبنانية. كنا أحيانا كثيرة نهرب من الحصص الدراسية من أجل التجوّل في الشارع.

كنا نفعل ذلك من أجل التخلص من إحساس بالوحشة الذي كان يسكننا مثلما كان يسكن معظم الشوارع البيروتية الأخرى التي كنا نقطن فيها. كان شارع الحمرا هو الضوء في العتمة حتى عندما كانت تنقطع الكهرباء وتدور “موتورات” توليد الكهرباء. كانت الحمرا بالنسبة إلينا الشارع الوحيد المضيء في بيروت “خاصتنا” على الأقل بالنسبة إلى من كان يعيش في المنطقة التي جرى على عزلها وتسميتها من قبل مجرمي الحرب بـ”المنطقة الغربية”.

الشعور بالحماس المصحوب بالفضول الشديد، الذي كان يسكن فئة من الجامعيين ممن لم ينزلقوا إلى متاهة الانتماء إلى الأحزاب المتقاتلة، كان حماسا مكبوتا ومقموعا يبحث عن مكان ما يزدهر فيه، وكانت الحمرا بالنسبة إلى هؤلاء الساحة الرحبة التي تتحمل مزاجهم النزق كما تتحمل ضحكهم وصراخهم.

هناك كنا، نحن الفئة “المهمّشة” من الجامعيين، نتفرج على واجهات المحال التجارية التي كانت تعرض البضائع العالمية، وكانت تلك “الأشياء” تتيح لنا أن نسرح في أحلامنا بعيدا عن الواقع. كما كنا نستمتع بالاستماع إلى الأغاني الأجنبية التي كانت تتخطى ألحانها حدود الدكاكين فتصل إلينا مؤكدة لنا بأن هناك عالما غير هذا العالم الكئيب الذي كنا نحيا فيه.

حمرا تلك الأيام هي غير حمرا اليوم، إذ باتت تشبه ما يرسمه الفنان الأميركي أليكس غروس في لوحاته السوريالية- الواقعية التي تصور العالم الحديث: محلات تجارية متراصة ليست بمحفزات للخيال، أو لحلاوة الرغبة المؤجلة، بقدر ما هي مخازن لبيع السلع المتشابهة خلف زجاج يغصّ بملصقات عن تنزيلات وعروضات لا أساس لها من الصحة.

ناس متباعدون وإن كانوا “ملتصقين” ببعضهم بعضا. يشتركون في النظرات الضائعة أو تلك المشدودة إلى شاشات الهواتف النقالة، ومتباهين بما يظهرون من ملابس أو أشياء “مدموغة” بالماركات المسجلة أو تلك المقلّدة منها.

فجور “شبابي” غير مسبوق لمن هم دون العشرين من عمرهم. تسكّع ليليّ لا يمتّ إلى معاني الحرية إلاّ من حيث مظاهرها المزيفة، وهو يشي بفراغ وجودي وتراخ ثقافي لا بد أن يمعن في تحويل ملامح المدينة إلى حيث الصخب ليس دليلا على الحياة، ولا التواصل، إنما دليل على انسجام مجتمعي.

لا بد من ذكر الأماكن المخصصة للطعام إذ تتكاثر بشكل غريب وكلها تعد بأشهى المأكولات وأكثرها صحية، ولا واحدة منها تشبه الفرن الصغير قرب شجرة المانيوليا، حيث البائع يكاد أن يكون صديقا نودّ أن نراه مرارا وتكرارا وننعم بابتسامته التي تتحدّى التعب البادي على محياه، بالرغم من صعوبة العيش في مدينة اعتادت الأزمات دون أن تعتادها فعلا.

حقا، يا ليت أليكس غروس يزور الحمرا فيرسم فيها جدارية تحولاتها المؤلمة، شارع الحمرا.. أين أنت من كل هذا؟

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر