الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

تصريحات الظواهري الأخيرة تشي بتفكك تنظيم القاعدة لصالح داعش

  • تيقّنت رؤوس تنظيم القاعدة مؤخرا من أن البساط بدأ يسحب من تحتها شيئا فشيئا، خاصة من ناحية الترويج والدعاية الإعلامية، إذ بات تنظيم ما يسمّى بالدولة الإسلامية يحظى بمكانة لافتة في السنوات الأخيرة من خلال هجوماته المركزة وإخراجه الإعلامي “المتقن” لما يقوم به من جرائم بشعة، أدت بتنظيم القاعدة إلى السعي دائما نحو الدفاع عن حظوظه أيضا في التواجد والتنافس مع داعش، عمّن يكون أكثر إرهابا ومشروعية إسلامية من الآخر.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/11/06، العدد: 10089، ص(13)]

خطاب الظواهري يرمز إلى تشكيل تمايز جهادي سياسي وميداني بمعية داعش

بعد غيبة لفترة طويلة أطل زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، مجددا في شريط صوتي يتضمن بعض الإشارات والرسائل، التي يبدو أنه أدرك بأن التوقيت جدّ مناسب للخروج من عزلته، ومعاودة الظهور على الساحة الجهادية، بعد أن دخلت روسيا على خط القتال ضد تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وبدأت الموازين تنقلب في المنطقة، الأمر الذي يظهر بأن زعيم القاعدة لا يريد تفويته، خاصة أن التطورات الأخيرة دفعت بتنظيم الدولة أكثر إلى الواجهة الأمامية للأحداث، سواء على الصعيد الإعلامي أو على الصعيد الدبلوماسي، ما ترتب عنه تواري ظلّ القاعدة وزعيمها الحالم بزمن القتال في أفغانستان.

ويمكن اعتبار التدخل الروسي في النزاع السوري “الفكرة الموجهة” لشريط الظواهري، ومعنى ذلك أن زعيم تنظيم القاعدة يرى في هذا التدخل استمرارا لـ”ملحمة” التنظيم في أفغانستان في سنوات التسعينات، بل وامتدادا لـ”الجهاد الأفغاني” في سنوات الثمانينات، عندما بدأت تتشكل الخلايا الجهادية الأولى التي سينبثق تنظيم القاعدة منها لاحقا.

فقد طبعت تلك الحقبة مسار التنظيم، بحيث صار التدخل الروسي رديفا للاحتلال السوفييتي لأفغانستان، ولو بطريقة لاشعورية تستبطن نوعا من الحنين إلى مرحلة البناء الأولى؛ ومن هنا يمكن ـ في تقديرنا ـ فهم رسالة المصالحة التي أراد الظواهري توجيهها إلى تنظيم الدولة بزعامة البغدادي، والتركيز على التحالف الروسي ـ الصليبي ـ الرافضي ـ النصيري، وهما مسألتان استدعاهما التدخل الروسي أكثر مما استدعاهما عامل آخر.

الدلالة الواضحة للتركيز على النقطتين (المصالحة والتحالف) تشير إلى المأزق الذي باتت توجد فيه القاعدة، منذ أن بزها تنظيم الدولة وشرع في المزايدة عليها علنا في الأوساط الجهادية. ويتمثل هذا المأزق في فشل القاعدة في إحراز مكسب ميداني بإمكانه معادلة “المكاسب” التي حققها تنظيم داعش وجعلت صيته يطير في أوساط الجهاديين، وينعكس على مستوى المشروعية التي يحصلها التنظيم في هذه الأوساط، مقارنة بتنظيم القاعدة.

بل إن تنظيم البغدادي، بعد أن سبق له رفض التنسيق مع جماعة النصرة ـ التابعة للظواهري ـ وحل التحالف الذي كان معقودا بينهما، سرعان ما انتقل إلى التبخيس حتى من الماضي الجهادي للقاعدة، هادفا إلى إسقاطها من على عرش الحركة الجهادية العالمية، وذلك منذ أن نشر في العدد السادس من مجلة “دابق” مقالا يهاجم القاعدة، كان عبارة عن مذكرات لأحد أتباعها السابقين يروي فيها مشاهداته في إمارة وزيرستان عام 2010، التي كانت تحت سيطرة مقاتلي القاعدة آنذاك، ويصفها بالإمارة الصورية التي لم تنجح في تطبيق الشريعة الإسلامية وسط سكانها، وكان ذلك المقال بمثابة محاولة لتجريد تنظيم القاعدة من مشروعية تمثيله للحركة الجهادية، عبر التشكيك في التزاماته الشرعية.

الظواهري تحدوه رغبة في استغلال فشل الجماعة وعزلتها السياسية من أجل التحريض على الانتقال إلى العمل المسلح

لقد جاءت دعوة الظواهري إلى المصالحة بين الجماعات الجهادية كما لو كانت مناشدة لتنظيم الدولة الإسلامية، بالنظر إلى الموقف الذي يوجد عليه تنظيمه في المرحلة الراهنة إزاء هذا الأخير، ولافتقاده لأي جاذبية، في غياب مكاسب ميدانية يمكن أن يوظفها كورقة في التفاوض.

وما لا يدركه الظواهري ـ أو لم يضعه في الحسبان بسبب عدم الاستفادة من دروس تجربته الشخصية في القاعدة ـ أن العلاقات بين الحركات الجهادية لا تسير بالمناشدات، بل تمر عبر المبايعة، التي تعني في قاموس السياسة الخضوع للتنظيم الأكثر قوة ونفوذا.

وهذا هو ما طُلب منه علنا في الفترات الماضية، على لسان المتحدث الرسمي لتنظيم الدولة أبي محمد العدناني، الذي طالب الظواهري بالانضواء تحت لواء داعش ومبايعة البغدادي، درءا للسقوط في محظور تعدد ألوية الجهاد من جانب، ورغبة في تذويب تنظيم القاعدة في تنظيم الدولة ومسح تاريخه من جانب ثان، وهي نفس الرسالة التي وجهها الجولاني في مناسبة أخرى في العام الماضي، حين ذكر بأن المجاهدين “قد خرجوا من ضيق التنظيمات إلى سعة الدولة”، داعيا بذلك إلى حل التنظيمات الجهادية الأخرى الموجودة ـ وبينها القاعدةـ والالتحاق بقافلة الدولة.

النقطة الثانية التي ركز عليها الظواهري في شريطه ترتبط بالموقف من جماعة الإخوان المسلمين المصرية، والسلفيين؛ حيث اعتبر هذه الجماعات، إلى جانب من سمّاهم السيسيين والغنوشيين، مسؤولة “عن خسارة الدين والدنيا”. وهو في الواقع موقف لا يحمل جديدا بالنسبة إلى أيمن الظواهري الذي سبق أن ألف كتابا تحت عنوان”الحصاد المر: الإخوان المسلمون في ستين عاما”، الذي كال فيه الشتائم والانتقادات اللاذعة لجماعة الإخوان في وقت مبكر، متتبعا لسقطاتها على مدى سنوات عملها، مطالبا إياها بالتخلي عن العملية السياسية والالتحاق بصف الجهاد العالمي.

لكن الجديد الذي حمله الشريط اليوم يتصل برغبة الظواهري في استغلال فشل الجماعة وعزلتها السياسية من أجل التحريض على الانتقال إلى العمل المسلح، ودفعها إلى اعتناق فكرة الجهاد. بيد أن الظواهري لم يدرك أن توقيت كتابه ليس نفس توقيت الشريط، ففي الثمانينات لم تكن جماعة الإخوان المسلمين قد جرّبت الوصول إلى الحكم ثم النزول منه، كما لم تكن أضعف مما هي عليه اليوم، بسبب الوضع الداخلي في مصر من جهة، والتحولات التي حصلت في المحيط الإقليمي من جهة ثانية.

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر