الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الجلبي واللوبي الصهيوني والاحتلال

أزمة الجلبي، أميركيا وعراقيا، تكمن في أن الأميركان وجدوا في علاقتهم المباشرة برجال الدين 'الشيعة' ضالتهم لحكم العراق ولربط الجسور مع طهران، وهذا ما لم يستوعبه كل من الجلبي وإياد علاوي وغيرهما.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/11/10، العدد: 10093، ص(8)]

أيا كانت أسباب موت السياسي العراقي أحمد الجلبي، فقد طويت صفحة حياته الأخيرة وسيظل ذكره لوقت غير قليل كرمز من رموز انهيار العراق تحت الاحتلال الأميركي وما خلفه من سياسات وأشخاص فرضوا على العراقيين منذ 2003 ولحد اليوم.

هنا لا بد من التذكير بالحلقات الأولى للتحضير الأيديولوجي والسياسي لاحتلال العراق، وكيف اشتغلت قوى اليمين الصهيونية على هذا الملف بدرجة عالية من الأهمية في مراكز واشنطن. فقد انكشفت خلال العشر سنوات الماضية ملفات ووثائق أميركية خطيرة تتعلق بالدوافع الحقيقية لاحتلال العراق وإسقاط دولته، وكيف انتقل مركز ذلك النشاط من داخل إسرائيل إلى البنتاغون الأميركي أواسط الثمانينات، وتحول إلى مشاريع وخطط سياسية داخل البيت الأبيض.

وكانت الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) اللوحة التي كتب على صفحتها بالدم العراقي والإيراني بيان نهاية الدولة العراقية. فبعد أن اجتازت الحرب العراقية الإيرانية حدود الاشتباكات الحدودية بين البلدين وانكشف غاطسها الحقيقي في العاصمة الأميركية، اتجهت أنظار إسرائيل إلى معادلة الصراع العراقي الإيراني لاستثمارها وإبعاد المخاطر الجدية عن كيانها، فوظفت الدعوات الخمينية في التوسع نحو العراق لكسر شوكته بل وإسقاط دولته، لكن ذلك الهدف لم يتحقق عبر حرب الثماني سنوات، وقبل انتهاء تلك الحرب اشتغل لوبي اليمين المكون من بول وولفويتز وريتشارد بيرل ودوجلاس فيث ورامسفيلد برعاية ديك تشيني على مشروع الاحتلال العسكري، وبرز اسم أحمد الجلبي وسط هذا الكارتل الصهيوني الخطير.

وقد وُثّقت بالدلائل خطط استباحة العراق انطلاقا من عقائد لاهوتية ترتبط بجذور تاريخية مزوّرة قالت بتحقيق الحلم التوراتي بالنصر على ملك بابل وتدمير عرشه، ومن ثمة قتله واستباحة دماء شعبه، ثم تحقيق المشروع الصهيوني القديم الذي ينص على تفتيت بابل، والدول المجاورة لها لتكون على شكل دويلات وكيانات متناحرة، كي تتحقق أمنية إسرائيل الكبرى.

وبهذا تتمكن من تحقيق معظم أحلامها التوراتية والدينية والسياسية والإستراتيجية، من دون أن تهدر قطرة دم واحدة، وكان من أبرز ناشطي هذه الحملة السفير الأفغاني الأصل خليل زادة، الذي سبق أن كتب دراسة مهمة لإدارة بوش الأب طالبه فيها بـ”تقوية إيران” و”احتواء العراق” على اعتبار أن “ضعف إيران يمثل مشكلة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة”.

وفي مقال كتبه عام 1989 لصحيفة لوس أنجلس تايمز بعنوان “مستقبل إيران كبيدق شطرنج أو كقوة للخليج” أشار فيه إلى الأسباب الرئيسية التي على الولايات المتحدة الأخذ بها لشن حرب على العراق والتي من بينها حسبما ذكره “إن خروج العراق منتصرا على إيران سيجعله القوة التي لا تُنازع في المنطقة. ولذا يجب عمل شيء ما لعدم حدوث ذلك” وإن إيران بحاجة إلى درجة من الحماية.

خليل زادة هذا عيّنه الرئيس جورج بوش الابن مشرفا على المعارضة العراقية في لندن بعد السفير ريتشارد دوني. وهو الذي حمل معه تفويض إقامة النظام الطائفي الجديد في بغداد وسلمه إلى أحمد الجلبي، وأبلغنا به مباشرة في لقاء مباشر جمعني به ومعي الأخ صلاح عمر العلي قبل يومين من مؤتمر لندن 2002 للمعارضة، ورفضنا كمجموعة ليبرالية عروبية تلك القسمة الطائفية ولم نشارك في ذلك المؤتمر.

وقد زرت أنا والأخ ستار الدوري أحمد الجلبي في مكتبه بلندن قبيل ذلك المؤتمر مستفسرين حول ما أشيع عن اجتثاث البعث وحل الجيش العراقي، قال لنا “كلا.. كلا توجد قائمة مكونة من عشرة أشخاص قريبين من صدام فقط هم هؤلاء المجتثين”. وسبق للجلبي أن سعى منذ العام 1992 لبناء معارضة على مقاسات ترضي المحافظين الجدد في واشنطن حينما نظم مؤتمري فيينا وصلاح الدين، ممّا أثار حفيظة بعض الأطراف القومية العروبية داخل المعارضة التي انصرفت عنه. علما بأنه أكفأ المعارضين العراقيين في لائحة معارضة لندن. ولهذا اندفع لوحده إلى بناء مشروع الاجتياح وعاونته القيادات الشيعية، خصوصا مجلس الحكيم، فمرر قانون تحرير العراق في الكونغرس عام 1998، وكان فضله على الزعامات الشيعية لا حدود له ومن حقه عليهم أن ينصّبوا له تمثالا اليوم بعد مماته.

لقد شعر الجلبي بالإحباط من جهاز المخابرات الأميركية منذ أواخر التسعينات لأنهم كشفوا “لعبته المزدوجة”، فاندفع نحو طهران فأسس “البيت الشيعي” في خيار وجد نفسه مجبرا عليه وهو “الطائفة” التي ينتمي إليها‏،‏ لكنه خيار اصطدم بعقبات كثيرة لأنه يحتاج إلى اشتغال طويل على الأولويات والأساسيات ليحوز قلوب وعقول مراكز قوى تقوم على التشكك والريبة أصلا لدى تلك الطائفة في تعاملها السياسي. أزمة الجلبي، أميركيا وعراقيا مثلما هي أزمة إياد علاوي بظروف وحيثيات مختلفة‏، تكمن في أن الأميركان وجدوا في علاقتهم المباشرة برجال الدين “الشيعة” ضالتهم لحكم العراق ولربط الجسور مع طهران، وهذا ما لم يستوعبه كل من الجلبي وإياد علاوي وغيرهما.

ولعل أكثر التعليقات دقة حول الدور المزدوج للجلبي بين إيران وأميركا ما قاله الكاتب ومدير مؤسسة ستارتت فور الأميركية فريدمان “كان عليه أن يحافظ على سرية المعلومات حول المدى الذي وصل إليه الإيرانيون في تنظيم الجنوب الشيعي في العراق، وكذلك المعلومات عن خطط صدام حسين لشن مقاومة شعبية ضد الاحتلال بعد سقوط بغداد لكي يزيد الأميركيون من اعتمادهم على الشيعة وعلى إيران. ولعل إقالة تينيت مدير المخابرات الأميركية وهرب الجلبي إلى النجف في ذلك الوقت ومساعده إلى إيران ومقتل مسؤول الاستخبارات الإيرانية، يصب في هذا الاتجاه. المخابرات الأميركية كانت تعرف بأنه وسيط ومخلب جيوسياسي وليس مصدر معلومات. لقد نشرت ومنذ وقت مبكر الكثير من التقارير السياسية والصحفية حول علاقته بالموساد، فقد كشفت صحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية الصادرة السبت 3 مايو 2003 أن الجهات الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية كانت واسطة التعارف بين الولايات المتحدة وزعيم “المؤتمر الوطني العراقي” أحمد الجلبي.

وكتبت أن “العلاقات الحميمة” بين الجلبي وأقطاب الدولة العبرية، سياسيين وعسكريين، تعود إلى 13 سنة وأنه زار تل أبيب أكثر من مرة وأقام فيها تحت اسم مستعار، وأشارت إلى أن “بداية العلاقات كانت عام 1990 بلقاء بين موظف في وزارة الدفاع الإسرائيلية والجلبي عقد في لندن، تناولا فيه الخارطة السياسية الجديدة التي يمكن رسمها في حال الإطاحة بنظام صدام حسين”، ولعل هناك صغار من العملاء والجواسيس ارتضوا العلاقة مع إسرائيل وهم اليوم يخافون انكشاف حقيقتهم.

بعدها بدأ الجلبي وأنتوني زيني، رئيس القيادة المركزية الأميركية، بوضع الخطط للإطاحة بنظام العراق بعد أن قدم الملفات الكاذبة حول امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وساعده في ذلك الوقت عسكريون هربوا من الجيش العراقي ادعوا المعارضة لكنهم خانوا شرف العسكرية، وباعوا انتماءهم العشائري بثمن بخس، وتتكشف اليوم جريمتهم بعد إعلانهم وظيفتهم الرخيصة بحق الوطن وتلاحقهم الآن اللعنة قبل موتهم، لأنهم تحولوا إلى جواسيس مأجورين روّجوا لقصة الأسلحة الجرثومية في الصحافة الأوروبية في وقت واحد مع ما قام به كولن باول من كذبة كبيرة داخل مجلس الأمن ندم عليها في ما بعد مثلما فعل توني بلير.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر