الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

مهارة القردة.. نهايات كارثية لبدايات تبدو بريئة

بدلا من الانتصار للمستقبل، تضمن دستور 2014 مادة جديدة أقرب إلى الردة الإنسانية والثورية، تعيدنا إلى ما قبل ثورة حملت أحلامنا إلى السماء، حين أصدر الحالمون بيان 'نحو دولة علمانية'.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/11/10، العدد: 10093، ص(9)]

تحت عنوان “المادة التي زرعها الاستعمار فأصبحت لغما” كتبت في 6 أغسطس 2014 مقالا في “العرب”، عن دور بريطانيا في تأسيس جماعة الإخوان، بالدعم المادي لحسن البنا، بعد نجاحها في غرس المادة 149 في دستور 1923 المكون من 170 مادة. جرت عملية “الزرع” بنعومة بريطانية أوهمت المفتي محمد بخيت المطيعي عضو لجنة كتابة الدستور بأن “المد الشيوعي قادم”، وأن عليه وقاية الإسلام والمسلمين من شروره، فطلب إضافة مادة “الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية”، أحرج أعضاء اللجنة، فأقروا المادة التي جاءت في موقع متأخر، وإن اعترض عليها عقلاء منهم طه حسين، ومحمود عزمي الذي كتب محذرا من عواقب تأويل الدين لدعم توجه سياسي؛ فهذا النص الدستوري “قد ينقلب إلى شر مستطير… سيأتي وقت على سكان مصر في هذا القرن العشرين فتقطع الأيدي والأرجل من خلاف”.

ومنذ السبعينات، بعد تطوير مادة الدين في الدستور وتقديمها لتصير المادة الثانية، بدأ مسلسل الدم، ولم ينته القرن العشرون إلا وجداريته تضيق بصور المغدورين، وقد أزهقت أرواحهم لأن إرهابيا ذهب، في تأويله لهذه المادة، إلى ضرورة إقامة حد القتل على من يراهم قد خرجوا من الملة، لا يختلف إلا في الدرجة، لا النوع، عبدالرحمن السندي عن شكري مصطفى عن خالد الإسلامبولي عن محمد الغزالي في تبريره لقتل فرج فودة. وبموجب دستور 2014 يحاكم كاتب مصري بعد 15 شهرا على نشره فصلا من رواية.

البدايات التي يستهان بها تثمر كوارث، تحيلنا إلى السطور الأخيرة من رواية “ثرثرة فوق النيل”، حوار عبثي يتوازى فيه كلام رجل ذاهل عن العالم، فلا يسمع سؤال الشابة المهمومة بالمستقبل. كان ينظر في أعماقه، فلا يرى إلا أسلافا حاذقين “أصل المتاعب مهارة قرد! تعلم كيف يسير على قدمين فحرر يديه. وهبط من جنة القردة فوق الأشجار إلى أرض الغابة. وقالوا له عد إلى الأشجار وإلا أطبقت عليك الوحوش. فقبض على غصن شجرة بيد وعلى حجر بيد وتقدم في حذر وهو يمد بصره إلى طريق لا نهاية له”.

في سياق التوتر قبل كتابة دستور 2014، كان صعبا مناقشة المادة الثانية من دستور 1971 “الإسلام دين الدولة… ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”، ربما يختلف المصريون على الله سبحانه، فيكفر به البعض وينكر وجوده، دون الانتقاص من حقوقه الدستورية.. حقوق الملحد طبعا، ولكن هذه المادة صارت أكثر قداسة من الله. وكان إلغاء المادة 219 العنصرية الطائفية من دستور الإخوان إنجازا مرحليا “مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، في مذاهب أهل السنة والجماعة”. وبدلا من الانتصار للمستقبل، تضمن دستور 2014 مادة جديدة أقرب إلى الردة الثورية، تعيدنا إلى ما قبل ثورة حملت أحلامنا إلى السماء، حين أصدر الحالمون بيان “نحو دولة علمانية” في 16 فبراير 2011، يطالب بتعديل المادة الثانية التي احتفظت بموقع القداسة، وأضيفت إليها المادة 67 التي جاء فيها “لا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة”.

وقد كتبت في 9 ديسمبر 2013، أثناء طرح مواد الدستور لنقاش عام قبل الاستفتاء عليه، بيانا يصف المادة 67 بأنها “سم في العسل”، لا ينسينا عدة حقائق:

أولا: ظل قانون الحسبة يمنح أي شخص حرية التقدم بدعوى ضد أي مصنف أدبي أو فني أو أي فعل يراه الآخرون مخلا، إلى المحكمة مباشرة. وبعد قضية نصر حامد أبوزيد اقتصرت الدعوى على النيابة، وإن ظل بإمكان أي شخص أن يذهب بدعواه إلى النيابة لتحرك الدعوى أو تحفظها. وقد تحركت دعاوى ضد أدباء وفنانين منهم حلمي سالم ويوسف شاهين وعادل إمام.

ثانيا: تحولت الحسبة إلى مادة دستورية، وعدم وجود عقوبة الحبس لا يوقف عقوبات أخرى مثل المصادرة والغرامة، وتحديد عقوبة مثل المصادرة في الدستور، ولو كانت الدعوى عن طريق النيابة، يعني أن هناك قوانين سوف تُسنّ وتضع مواصفات لهذه العقوبات.

واقترح ذلك البيان تغيير “مادة الهزيمة” التي تذكر بهزيمة 67، لتكون كالتالي “ولا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها. ومن يختلف معها يرد عليها بعمل فني أو أدبي أو فكري يراه مناسبا له، أو بالنقد المكفولة حريته”. وقبل الاستفتاء على الدستور قابلت صديقا فنانا عضوا في لجنة الدستور، واقترحت عليه أن تنسحب المجموعة الممثلة للمثقفين من اللجنة اعتراضا على هذه الوصاية، فالنتائج المرة لن ينجو منها أحد، فابتسم قائلا “لا بد أن نترك للجيل القادم شيئا يناضل من أجله”.

ولكن ثمرة “مادة الهزيمة 67” نضجت بسرعة، وأسعفت الجيل الحالي، ففي نهاية أكتوبر 2015 تذكرت النيابة العامة بلاغا قدمه مواطن ضعيف القلب، آذى رهافة شعوره الفصل الخامس من رواية “استخدام الحياة” لأحمد ناجي. مقدم البلاغ لم يقرأ الرواية التي صدرت في كتاب منذ سنة، ورأى أن النص “مقال جنسي خادش للحياء”، وقال للنيابة إن قراءته أصابته باضطراب “في ضربات القلب، وإعياء شديد وانخفاض حاد في الضغط”.

مقدم البلاغ لم يذكر كم احتاج من الوقت للشفاء من الإعياء. ولو أن لدى وكيل النيابة قلبا يحنو على المرضى لأحاله إلى طبيب، للبحث عن السبب الأصلي لاضطراب ضربات قلبه، بعد أن يسأله كيف صبر على قراءة صفحتين كاملتين في الصحيفة؟ ولماذا لم ينصرف عن وجع الدماغ من أول لفظ خدش حياءه؟ ثم ينصحه بالذهاب إلى طبيب نفسي.

ولكن رئيس النيابة أحال الكاتب ورئيس تحرير الصحيفة إلى المحكمة بتهمة «نشر وكتابة مقال جنسي خادش للحياء”، وهذا توصيف خاطئ أكثر قسوة من الحكم المحتمل، وجاء في قرار الإحالة للمحكمة أن الكاتب المتهم بـ”نشر مادة كتابية نفث فيها شهوة فانية ولذة زائلة وأجّر عقله وقلمه لتوجه خبيث حمل انتهاكا لحرمة الآداب العامة وحسن الأخلاق والإغراء بالعهر… ينشر سموم قلمه برواية أو مقال حتى وقعت تحت أيدي القاصي قبل الداني والقاصر والبالغ فأضحى كالذباب لا يرى إلا القاذورات… حتى عمت الفوضى وانتشرت النار في الهشيم”. نص الإحالة سقيم، كما ترى، ويخلو من الذوق، دال على ذائقة قضاة المستقبل.

يقول ابن حزم في طوق الحمامة “الحب، أعزك الله، أوله هزل وآخره جد”، والدساتير أولها هزل وآخرها مساخر.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر