الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

غوغاء لكنهم ليبراليون

الغوغاء الليبراليون عندنا يكتفون من التحرر والتسامح بشرب المشروبات من الزجاجة مباشرة والكوكاكولا من العلبة دون قدح.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/11/10، العدد: 10093، ص(24)]

كان التلفزيون يعرض مشاهد صاخبة لنحو مليون إنسان غاضب. الإنسان الغاضب مخلوق خطير وأوصي بالابتعاد عنه. لم يكن الجمع المتفجر يهتف “ارحل ارحل” ولم تكن المشاهد من ميدان التحرير، بل من باريس. كان الغاضبون يهتفون “جيه سوي شارلي” (أنا شارلي) ويتقدم مسيرة الاحتجاج رئيس الدولة نفسه. المظاهرة رسمية وكالعادة، هناك شيء مضحك في أن يقود رئيس الدولة مسيرة احتجاج في دولته.

الدعوة كانت للمطالبة بإرساء قيم الليبرالية وتحمّل الرأي الآخر، ذاك الذي يسمّى تسامحا. وراح خيالي النشط يتصوّر رجلا وسط هذه الحشود يقول “علينا أن نفهم الأسباب التي حملت القتلة إلى ارتكاب جريمتهم”. أتخيل أن الليبراليين سيقتلونه ضربا ويقطعون أوصاله بأسنانهم.

هذا ما آلت إليه أمور الليبرالية حديثا. المتسامحون صاروا يحاصرون بيوتا ويضرمون فيها النار. ورثة عصر التنوير ما فيهم شيء من التنوّر. لديهم من احترام الآخر ما يكفي للتعصب لشيء يسمونه “الاستقامة السياسية” وهي عبارة يراد بها فهم الآخر ومشاعره ولها ممارسات مضحكة.

من تلك الممارسات ما أعلنته ناظرة مدرسة ليبرالية وتقدمية في لندن في التسعينات عن منع تدريس المراهقين مسرحية “روميو وجولييت”. قرار المنع موجود وموثق، بل وله حيثيات.

تقول ناظرة المدرسة إن مسرحية شكسبير الأشهر تروّج للحب بين ولد وبنت، أي لمشاعر حب بين طرفين من جنسين مختلفين. والمسرحية، في نظرها تتجاهل المثليين والسحاقيات، وهذا تحامل كبير وانعدام كامل لقيم التسامح. هذه حكاية حقيقية.

وبناء على تفهم مشاعر الآخرين صارت الـ”بي. بي. سي” لا تقول سنة كذا وكذا قبل الميلاد. لأن هذا قد يجرح غير المسيحيين وهذا فيه اضطهاد للأقليات. واستعاضت عن قبل الميلاد بعبارة “قبل الحقبة العامة”.

كل هذا والمسلمون أنفسهم وفي بلادهم يقولون “قبل الميلاد”. تحملنا الـ”بي. بي. سي” فضلا نحن في غنى عنه تماما، لكنه يظل فضلا ويدا بيضاء ودينا في رقبتنا دون أدنى داع.

وهناك في الولايات المتحدة مدارس تضع في فترة عيد الميلاد شجرة مزوقة ومزدانة بالمصابيح الصغيرة والأشرطة البراقة، ولكنها لا تسمح للأطفال بأن يسموها شجرة عيد الميلاد أي “شجرة الكريسماس”، وعليهم أن يسمّوها اسما سمجا وهو “شجرة العطلة”، من باب احترام مشاعر المسلمين. ومرة أخرى نذكر أن المسلمين وفي بلدانهم يسمونها “شجرة الكريسماس” وتحتل واجهات المحلات والفنادق والمولات التجارية بهذا الاسم.

هذا ما كان من أمر الليبراليين في الغرب، أما عندنا فالغوغاء الليبراليون يكتفون من التحرر والتسامح بشرب المشروبات من الزجاجة مباشرة والكوكاكولا من العلبة دون قدح. وقد تمتد ليبراليتهم إلى حدود أبعد وأسمى، فيرتدون قبعة بيزبول بالمقلوب ويضعون وشما غريبا وقد يدسون دبابيس في أنوفهم للتوكيد.

هذه الإجراءات أسهل بكثير من مراجعة النفس وحملها على تحمل الآخر وفهمه، وأيسر من قراءة مونتسكيو وفهم فكر إدموند بيرك وحصافة توم باين وتسامح الإمام الشافعي. إجراءات بسيطة بموجبها تبلغ ذروة الفكر الليبرالي بمجرد احتساء الكوكاكولا من العلبة مباشرة.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر