السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

عقل انتقائي

الفراغ الفكري والسياسي الذي خلفه فشل تلك القوى، هو الذي سمح لقوى الإسلام السياسي وفكرها المتطرف بالصعود لملء هذا الفراغ، والقفز فوق التاريخ.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/11/10، العدد: 10093، ص(15)]

يتسم العقل العربي الذي ساد خلال قرن كامل من التحولات الخائبة، بالطبيعة الانتقائية أو التلفيقية التي ميزت مقارباته لقضايا الواقع، السياسة والفكر والثقافة والاجتماعية.

لقد وضعت هذه المشكلة الوعي العربي على المستويين التاريخي والسياسي، في حالة صراع قادته إلى القيام بعمليات توفيق بين نزعة ماضوية، لاستلهام الماضي بعمقه الحضاري والروحي، ونزعة عصرية تضعنا على سلم التقدم، دون أن يستطيع ردم الفجوة القائمة بينهما.

في هذه المسافة من البحث عن الذات يبدأ اشتباك الوعي العربي مع ذاته، ومع العالم دون أن يستطيع عبور هذه الهوة، وبناء علاقة وعي جديدة تخرجه من هذا المأزق الوجودي والثقافي والسياسي، الذي بات يعاني من انعكاساته الكبيرة على مسيرة تطوره، ومواجهة تحديات اللحظة التاريخية والحضارية الراهنة، على صعيد بناء المجتمع والدولة.

لقد لعب غياب الدور الفاعل للبنى الاجتماعية المتنورة، أو عدم تبلورها في المجتمع، بسبب الدور الذي لعبته المؤسسة العسكرية والأحزاب القومية وأنظمة الحكم التقليدية في الهيمنة، على السلطة في العالم العربي، ما ساهم في منع حدوث هذا التحول التاريخي والاجتماعي، وتجاوز هذه الإشكالية المتفاقمة في واقع يعاني أساسا من تراكم الأزمات، وانسداد الأفق أمامه.

وبينما عبر فشل الأيديولوجيات القومية عن مأزق هذا الوعي، رغم انتشارها الجماهيري وصعودها منذ خمسينات القرن الماضي وحتى نهايته، فإن حال اليسار الشيوعي لم يكن أفضل، عندما قرر أن يريح نفسه من مواجهة هذه الإشكالية بالذوبان في أيديولوجيا أممية حولته إلى تابع لها، لكنها انتهت إلى الفشل على غرار ما انتهت إليه الأيديولوجيات القومية.

هذا الفراغ الفكري والسياسي الذي خلفه فشل تلك القوى، هو الذي سمح لقوى الإسلام السياسي وفكرها المتطرف بالصعود لملء هذا الفراغ، والقفز فوق التاريخ، محاولا كأيّ وعي زائف أن يستخدم العنف وسيلة لإرغام الواقع على الانصياع لإرادته وسلطته، وعندما لا يتحقق له ذلك يوغل في ممارسة هذا العنف، بوصفه الوسيلة الوحيدة لمحاولة مصادرة حركة الواقع والتاريخ. لكن المفارقة أن هذه القوى التي تستخدم منتجات حداثة الغرب التكنولوجية سلاحا في معركتها، فإنها لا تسأل نفسها عن أسباب وجود هذه الهوة التي تفصلها عن الغرب، وتجعلها محكومة باستخدام منتجاته.

إن هذا التناقض الذي ما زال العقل العربي بتعبيراته، القومية والدينية والليبرالية، يعاني منه على صعيد الثنائيات المتقابلة، الأنا والآخر، الحاضر والماضي، الديني والدنيوي سيظل علامة على عجز هذا العقل عن إبداع وعي تاريخي واجتماعي ناجز.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر