الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

بين زمنين

ما حدث لفناني العراق وأدبائه وشعرائه بعد الغزو البغيض في العام 2003 من أسوأ ما يمكن أن يضرب حضارة أي بلد وثقافة أي شعب.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2015/11/11، العدد: 10094، ص(24)]

لا أعتقد أن هناك من يمكنه أن يتحدث عن الموسيقى والغناء الليبيين دون التوقف طويلا عند محمد حسن، فالرجل بات أحد رموز وعلامات ليبيا، ومنذ ستينات القرن الماضي وهو يغني ويلحّن ويجمع الموروث الشعبي ويكتشف المواهب ويتعامل مع كبار شعراء الأغنية، ولذلك فإن محاولة تجاهله من قبل إعلام الإخوان المرئي والمسموع، أو محاولة التهجم عليه لأنه كان قريبا من النظام السابق، لا يضيرانه، ولا يطيحان بعرشه الفني والثقافي، ولا يخرجانه من وجدان أبناء شعبه وشعوب الدول المجاورة، فقبله كان عبد الحليم حافظ عنوانا للمرحلة الناصرية، وكان الناطق باسم تلك الفترة، وارتبط اسمه باسم جمال عبدالناصر، وقيل أنه ابن ثورة يوليو، وأنه مؤثّر في القرار السياسي، وبعد رحيل عبدالناصر، شعر حليم باليتم قبل أن تتلقفه الجماهير، وتعيده إلى الأضواء.

وأم كلثوم ذاتها، مرّت بعد 23 يوليو 1952 بمرحلة عسيرة، عندما تم منع أغانيها من البث باجتهاد من الضابط المسؤول عن الإذاعة، بدعوى أنها كانت تغني للملك، وعندما علم جمال عبدالناصر بالأمر، اتصل بالضابط وسأله عمّا إذا كان بوسعه أن يوقف النيل عن الجريان لأنه كان يجري في عهد الملك، والشمس عن الطلوع لأنها كانت تطلع في زمان الملك، ثم ذهب الزعيم بنفسه إلى منزل كوكب الشرق ليعتذر لها ويطيّب خاطرها وليجعل منها بعد ذلك صوتا هادرا من أصوات فترة حكمه ومبادئ ثورته.

وقد يكون ما حدث لفناني العراق وأدبائه وشعرائه بعد الغزو البغيض في العام 2003 من أسوأ ما يمكن أن يضرب حضارة أي بلد وثقافة أي شعب، فقد تم تشريد مطربين وشعراء وأدباء وصحفيين وإعلاميين وكتابا كبارا، من أبرزهم الشاعر المبدع عبدالرزاق عبد الواحد، متنبي عصره، الذي وافاه الأجل المحتوم منذ أيام في ديار الغربة، وهو يصدح بصبر العراق، وينشد لأحزان العراق.

وحتى في تونس، أذكر أن الفنان الكبير الراحل صالح المهدي تعرّض للاستبعاد من المشهد الثقافي والإعلامي في عهد زين العابدين بن علي لأنه كان محسوبا على بورقيبة وقريبا منه وملحن النشيد الرسمي لعهده، كما تم استبعاد الشاعر الكبير أحمد اللغماني لأنه كان شاعر بورقيبة، وقامت أجهزة الدولة بالعمل على تجاهله وعزله إلى أن توفي بعيدا عن الأضواء بعد أن رثى بورقيبة.

وبعد الإطاحة ببن علي حاول بعض الثورجيين محاصرة فنانين ومثقفين وإعلاميين نظرا لأنهم أزلام، وفي مصر قيل أنهم فلول، وفي ليبيا سماهم الثورجيون بزبانية الطاغية.

ربما لكل عهد رموزه وعلاماته وأصواته وأقلامه، ولكن المؤكد أن الإبداع يصمد ويتجاوز العراقيل وينتصر على محاولات طمسه، والفنان الحقيقي سينتصر دائما ولو بعد وفاته، أما معاقبته لأنه كان قريبا من هذا الحاكم أو ذاك، وصاحب هذا الموقف السياسي أو ذلك، فلا تجدي نفعا، لأن المهم هو مكانته في وجدان الشعب، وقدرته على نحت اسمه وتسجيل إبداعه في ضمير الزمن والناس.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر