الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

كل الدروب تؤدي إليك

ابن الحادية عشرة من العمر كان يقدم لزبائنه الورد قائلا لهم بابتسامة 'إن لم يكن معكم مال الآن ادفعوا لي الثمن لاحقا'. ليس اللاحق يا صبي الورد الأحمر، إلاّ هالتك العطرة التي لن تنطفئ.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/11/12، العدد: 10095، ص(16)]

أحيانا، تساهم الصدفة في إعادة طرح سؤال ما أو تصويب لمعنى ما لا يزال في الذهن محيّرا وإلى أي جانب من الحقيقة ينتمي. هذا ما حدث بعدما رأيت مرارا في شوارع بيروت صبية بتسريحات شعر تشبه إلى حدّ كبير تسريحة شعر فارس الخضر الشهير، الصبي السوري الذي عشقته بيروت والذي لقي حتفه إثر غارة شنها طيران التحالف على بلدته السورية الحسكة.

صبية يحاولون بيع ورود حمراء تشبه هي الأخرى ورود بائع الورد “الأصلي” وهم يرتدون ثيابا تريد أن تكون أنيقة، مثلما كانت ثياب فارس أنيقة ونظيفة بالرغم من الفقر والتشرد. يتصرفون بلباقة كبيرة تريد أن تتشبّه بلباقة فارس الراحل عن ظلم هذا العالم.

ازداد أثر هذه الصدفة عندما جاء تحقيق فنان الغرافيتي اللبناني يزن حلواني لجدارية عملاقة تجسد فارس وابتسامته المشرقة، التي كانت تضيء ألف عتمة إلاّ عتمته هو، ليطلق عليها عنوان “بائع الورد الصغير”.

وقد نفذ الفنان الجدارية في مدينة برلين الألمانية، ضمن مهرجان للغرافيتي، لتخليد ذكرى “النسخة الأصلية” ألا وهي شخص فارس بكل ما تميز به من نبل وحساسية لمسها عنده كل من التقى به واشترى منه وردة، فقط، لأجل عينيه الجميلتين.

كما لعب حضور هؤلاء الصبية وتشبههم الجليّ بفارس لكي يكسبوا تعاطف المارين بقربهم دورا كبيرا في استحضار واستعادة وتكريس أولوية “الأصل”، وليس تهميش أو تغييب له أو جعل الصورة متقدمة على أصلها.

مرت أشهر عديدة على مقتل فارس حبيب شارع الحمرا البيروتي، بائع الورد الصغير، وصاحب الابتسامة المنيرة والنقاء المنقطع النظير.

تعود الذاكرة إليه وإلى فصول مأساته بداية بهربه من بطش البراميل المتفجرة التي يلقيها جيش النظام على الشعب السوري، إلى عودته المشؤومة هو وعائلته إلى الحسكة بلدته السورية، حيث قُتل.

يعود كل هذا، على شكل تراجع زمنيّ من الأقرب إلى الأبعد، وذلك بداية بالمشاهدات شبه اليومية لهؤلاء الصبية، المختلطة مع شريط من الصور لمأساة أطفال سوريا، فعمل الفنان يزن حلواني، وصولا إلى صور فارس الغزيرة على مواقع الإنترنت. وهي “النسخ” الأولى لفارس، الأصل.

ليست هذه بتداعيات لأفكار كما قد يحلو للبعض رؤيتها، بل إعادة تشييد لهيكل مفهومي تذوب فيه كل التفاصيل الآنية المرتبطة بلحظة الحدث.

مع هذه المقابلة، لا بل المواجهة بين هذه الصور المتنوعة لبائع الورد الصغير، والكائن- الأصل لتلك الصور، تعود فكرة طرحها وقد اشتغل عليها طويلا الفيلسوف والناقد الألماني والتر بنيامين في مقالته الشهيرة “الأعمال الفنية في عصر إعادة الإنتاج الميكانيكي”، حيث من جملة الأفكار التي طرحها أن الصور المستنسخة عن الأصل تُفقده “هالته”.

لا أدري إن كان ذلك، أي فقدان "الهالة" ينطبق حقا على علاقة الصورة بأصلها في هذا الزمن الذي تتغير فيه سريعا نظرتنا وتقييمنا لما يسمى فنا.

ومع ذلك أنا متأكدة بأن "هالة" صبي الورود اشتدّت حدتها ولم تبهت بعد مشاهدتي لصبية الورود الحمراء في شوارع بيروت وللصور الفوتوغرافية ولعمل يزن حلواني.

قد يكون ما قاله أندريه مالرو المفكر والناقد الفرنسي أكثر حقيقية، مما رآه والتر بنيامن الذي سبقه في تحليله لعلاقة الصورة بالأصل. إذ رأى مالرو أن النسخ مهما كثرت لأي عمل فني (أو في هذه الحالة لأي كائن بشري) لا تهمشه، بل تكرسه وتعمّق حضوره.

بكلمة واحدة، تخلده دون أن تقدّسه، ربما هذا ما حصل فعلا مع بائع الورد الصغير و"نسخاته" متنوعة الأشكال التي منها المنتشر على صفحات الإنترنت ومنها الحاضر في عمل فني وصوره الديجيتالية، ومنها أيضا "نسخاته" الرديئة والمنتشرة في الشوارع البيروتية، نسخات لا تنفك تحيل إليه ولا إلى أحد سواه.

ابن الحادية عشرة من العمر كان يقدم لزبائنه الورد قائلا لهم بابتسامة "إن لم يكن معكم مال الآن ادفعوا لي الثمن لاحقا". ليس اللاحق يا صبي الورد الأحمر، إلاّ هالتك العطرة التي لن تنطفئ.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر