الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

جنايات التأويل: الإسلاميون حولوا الإسلام إلى أيديولوجيا سياسية

  • حركات الإسلام السياسي بأنواعها المختلفة وتياراتها المتعدد يبدو أنها تعيد صياغة رسالة جديدة بعيدة عن الرسالة النقية الأولى للإسلام التي كان الرسول محمد مركز تفسيرها وترجمتها إلى الناس في شكل سلوكات يومية تسمى السنة النبوية. فقد ابتدعت تلك الحركات تفسيرات ومقولات جديدة ركبتها في سياق ديني إسلامي ألبسها ثوب التأويل، فكانت النتيجة علبا أيديولوجية متباينة مع الإسلام ذاته خلقت لبسا بين الدين الإسلامي والإسلام السياسي.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/11/13، العدد: 10096، ص(13)]

قراءة النص الديني يجب أن تكون خالية من نوايا التطويع السياسي لتعاليم الدين

لعل المراقب لما يجري اليوم من استثمار للنص الديني الإسلامي من لدن الجماعات المتشددة، التي تتخذ من عقيدة الولاء والبراء أصلا من أصولها النظرية في الممارسة السياسية، ستثار لديه التساؤلات بخصوص هذا التحول وتاريخه، ويعتقد بأن هذا الاستثمار السياسي للنص ولد حديثا مع نشأة التيارات السياسية الدينية، بدءا من جماعة الإخوان المسلمين، في بداية القرن الماضي، ثم اتخذ مداه الأوسع مع ميلاد الجماعات السلفية المتشددة التي خرجت من رحم الجماعة الأولى، فكريا أو تنظيميا، أو اإثنين معا.

والواقع أن ما حصل مع تلك التنظيمات هو تجديد للمنطق القديم الذي صاحب النص منذ تنزيله. فقد ظل النص القرآني ـ قبل نشأة وتطور العلوم المحيطة به ـ خاضعا لسلطة التفسير والتطبيق التي كان يمثلها صاحب الرسالة، النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك كان محاطا بسياج منيع يحول دون الانتقال به من سلطة التفسير المركزية إلى سلطة التأويل، والتلاعب به أو توظيفه في المعارك السياسية أو القبلية، كما ظل المسلمون متحلقين حول تلك السلطة المركزية، طالما أن المشروعية كانت واحدة.

واللافت أن صاحب الرسالة نفسه، النبي عليه السلام، الذي أنزل عليه القرآن وانفتحت أمامه مغاليقه، كان يدرك ما في تلك المغاليق من مزالق من شأنها أن تدفع إلى توظيف النص القرآني والتزيد به على الآخرين أو المزايدة به على السلطان أو الرعية، ولذلك جاء الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه معبرا عن هذا الإدراك الاستباقي “إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن، كما قاتلت على تنزيله”.

بيد أنه ما كاد النبي ينتقل إلى الدار الأخرى حتى أغلق باب التفسير وفتح باب التأويل على مصراعيه، تناسبا مع الاختلافات والصراعات ومواقع النفوذ التي كانت تعبر عنها الانقسامات القبلية التي كان الإسلام قد أنهاها إلى حين. إذ سرعان ما تحول النص القرآني إلى سلاح يشهره كل طرف في مواجهة الطرف الآخر، إعمالا لآلية التأويل، التي لم تكن تعني ـ في مضمونها ـ سوى تحويل معاني النص عما وضعت له، وهو ما عبر عنه الحديث المشار إليه أعلاه بـ”التنزيل”، وإعطائها معان تناسب الحاجة والغرض، وهو ما عبر عنه الحديث بـ”التأويل”.

العلماء على عكس الإسلاميين كانوا يدركون أن المساس بوحدة النص من شأنه المس بوحدة المسلمين

من المهم القول بأن العلماء المسلمين السابقين كانوا يعون جيدا خطورة هذه السلطة، أي سلطة التأويل، في إخراج النصوص القرآنية عن مضامينها الأصلية من جانب، وفي تفكيك وحدة الجماعة من جانب آخر. فقد أدركوا أن وحدة الجماعة تتعرض للنسف من خلال المساس بوحدة النص، وأن تفكيك النص ـ بالتالي ـ يعني تفكيك الجماعة. ويحضرنا هنا تعبير لا يزال حتى اليوم صالحا للاستعمال، يختزل كل تلك المعاني في داخله، هو تعبير “جنايات التأويل”، الذي استخدمه ابن قيم الجوزية، من علماء القرن الثامن الهجري، في كتابه “الصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة”، الذي وضعه نقدا للطائفة المذكورة.

النقطة الجوهرية في هذا التعبير الذي استخدمه ابن القيم تكمن في جمعه بين عبارتين، كل واحدة منهما تنتمي إلى حقل دلالي معين. فعبارة “الجنايات” تنتمي إلى المجال المرتبط بالدماء والحقوق، وعبارة “التأويل” تنتمي إلى حقل المعرفة الشرعية، فكأن ابن القيم تيقظ في زمنه لخطورة هذا الارتباط بين الاثنين، وللانعكاسات الخطيرة للتأويل على الاستقرار في الأمة وعلى حقوق الأفراد.

وقد نتجت عن التأويل، في العصر الحديث، جنايات كبرى أدخلت المسلمين في اختلافات جسيمة حول النص الديني، حتى صار التقاتل تحت ذريعة النص عنوانا من عناوين الهدم الحضاري، وصارت بعض الآيات القرآنية أو التعبيرات الواردة فيه شعارات تتخذها جماعات معينة تميز به نفسها عن الجماعات الأخرى، بالشكل الذي فقدت فيه تلك التعبيرات أو الآيات القرآنية دلالاتها الأولى في “التنزيل”، بعدما أصبحت دليلا على تلك الجماعة أو التنظيم، وميسما خاصا به دون غيرها، بناء على مجرد “التأويل”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر