الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

11 سبتمبر الباريسي

11 سبتمبر الباريسي صدمة، سيتم استيعابها واحتواؤها لكن نتائجها وتفاعل وقائعها على الأرض، ستكون كما هو مفترض، حاسمة في الصراع مع الجماعات المسلحة ضمن توصيف الإرهاب العالمي أو غيرها.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/11/16، العدد: 10099، ص(8)]

المتغيرات تأتي بعد انفجار الحدث التاريخي، ليتم الفصل بين ما قبل وما بعد، وكان يوما مشهودا في 11 سبتمبر 2001 باستهداف برجيْ التجارة العالمية في نيويورك، ومن نتائجه المريعة احتلال أفغانستان، ثم العراق وتداعي الشرق الأوسط.

21 أغسطس 2013 وقعت مجزرة الهجوم بالسلاح الكيميائي على الغوطة شرق دمشق، وأطلقت عليها 11 سبتمبر الشامي وكانت فاصلا بين معادلات الأزمة السورية، وموقف العالم منها.

11 سبتمبر الباريسي في 13 نوفمبر 2015، صدمة، سيتم استيعابها لكن نتائجها وتفاعل وقائعها على الأرض، ستكون كما هو مفترض، حاسمة في الصراع مع الجماعات المسلحة ضمن توصيف الإرهاب العالمي أو غيرها، ولن تنجو من ذلك الزعامات الراعية لما يسمى بالعنف الشرعي للدولة كما في حالة النظام السوري، الذي استغل التراخي في المواقف الدولية من أفعال لتوجيه الأنظار بعيدا عن الواقع السياسي الهزيل وحصره في مكافحة الإرهاب المتنامي في المنطقة لإطالة أمد حكمه من خلال تعويم الرؤية الدولية بما يخدم النظام والتدخلات الإيرانية وميليشياتها الطائفية، وهما جهتان تستفيدان من أي عملية إرهابية صادمة، خاصة خارج حدود تمدد الإرهاب الجغرافي في العراق وسوريا أو في اليمن أو شمال أفريقيا.

ما توقفت عنده أثناء المأساة الفرنسية كلمة قصيرة للرئيس الأميركي باراك أوباما، وما قاله بأن أميركا ستجلب المطلوبين في هذا العمل الإرهابي وتقدمهم إلى القضاء الفرنسي، وكأنها محاولة اغتيال أو جريمة جنائية، لم يفلت مرتكبوها من قبضة أجهزة الأمن والمخابرات العابرة للأطلسي.

فرنسا كتبت في ديباجة دستورها عام 1958 في عهد الجنرال شارل ديغول “إن فرنسا جمهورية واحدة موحدة لا تتجزأ، علمانية، ديمقراطية، اجتماعية، تضمن لمواطنيها المساواة فيما بينهم أمام القانون دون أي تمييز من حيث الأصل، أو العرق، أو الدين، إنها تحترم كل العقائد الإيمانية أيا تكن”.

ولأنها علمانية خالصة 100 بالمئة، فإنها، أي فرنسا، اعترضت على تضمين دستور الاتحاد الأوروبي أي إشارة إلى الإرث الديني لدول الاتحاد، ومعروف أن الأمور الدينية وتفرعاتها تابعة إلى وزارة الداخلية الفرنسية، ويعيب بعضهم على فرنسا، حتى من المفكرين والفلاسفة، الانحياز الكلي للعلمانية بما يرتقي إلى دكتاتورية القوانين الصارمة في تطبيقات الفكر العلماني.

لا يغيب عن بالنا تشبيه زعيمة اليمين المتطرف، ماري لوبان، صلاة المسلمين في الأماكن العامة والشوارع في فرنسا، بالاحتلال النازي، وما تعرضت له من استدعاء للوقوف أمام المحكمة ثم تبرئتها استنادا إلى فقرة “حرية التعبير”، وفي واقع التوقيتات الانتخابية ستتصاعد نسب المؤيدين لحزبها بعد يوم الجمعة الدامي ودراماتيكية الضربات الانتحارية وعدد الضحايا من الأبرياء.

الدلالات والإشارات ستتجه إلى تأييد معاداة لوبان للهجرة واللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي والتغاضي عن الممارسات والطقوس الدينية خارج دور العبادة.

ننتظر ردود الفعل الحاسمة للمجتمع الدولي من قضية الإرهاب مع مخاوف من استغلالها لإدانة المواقف الفرنسية الرافضة لبقاء الرئيس السوري في الحكم بعد كل جرائمه ضد الشعب التي كان من آثارها تنامي الإرهاب وتهجير الملايين واندفاعهم غير المسبوق باتجاه دول الاتحاد الأوروبي.

الكوارث الثلاث، التي ارتبطت بذاكرة 11 سبتمبر، لا ينبغي بعد الآن أن يتم التعامل معها فقط في إطار العمل الأمني والعسكري وتحالفات الردع والملاحقات، وما يمكن أن ينتج عنها من زيادة من كراهية للغرب عموما أو ما يعرف بدول الشمال، إنما أيضا بإعادة صياغة وتأسيس مقاربات شاملة مع دول العالم الثالث.

المقاربات، في تقليل الشماليين من روح التعالي والهيمنة وازدواج المعايير واستغلال القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، وممارسة أدوار عدم الإنصاف أو اللامبالاة تجاه معاناة شعوب الجنوب المتهالكة، إما تحت أنظمة حكم دكتاتورية وظلامية وفاشلة بكل معنى الكلمة، وإما لانغماسها في اليأس واندفاعها دون رؤية لمستقبلها، ولجوئها إلى خلق الأعداء والصراعات تحت المسميات الرائجة وتمديد صلاحية العمل بها، لأنها ترضي الأطراف الحاكمة والشعوب مسلوبة الكرامة والإرادة لفقرها وتخلفها.

وعلى الرغم من النص القرآني في سورة الحجرات “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” ونصوص تقترب من المعنى في الأديان الأخرى، إلا أن شعوب العالم يبدو أنها لم تتعارف حتى الآن، وشواهد ذلك، الحروب المستمرة وخلق النزاعات المسلحة وظهور التطرف ونشوء الجماعات الإرهابية وتصنيع الأسلحة التي تهدد مستقبل الأرض.

ما ننشده من مصالحة تاريخية لا يتم أبدا دون اكتشاف الآخر والتعرف عليه، وتهشيم الأحقاد المتصلة بالتعليم وتغذية النفس البشرية بالقسوة تجاه من لا ينتمي إلينا بالدين أو القومية أو اللغة، وصولا إلى تفرعات المذاهب والمصالح.

ممكن أن أسوق مثلا ربما ينفعنا في تلمس احترام الوجود البشري؛ بعد دخول القوات العراقية إلى الكويت في يوم 2 أغسطس 1990 وبعد عشرة أيام فقط من هذا التاريخ أي في يوم 12 أغسطس، أصدرت القيادة العراقية حينها، مبادرة مفادها: لماذا لا نبدأ بحل كافة مشاكل المنطقة دفعة واحدة ومنها الحقوق المستلبة من كل الأطراف وإيقاف الحروب ونزع السلاح والحد من المخاطر الكامنة، القائمة منها والمحتلمة، وما أكثرها.

كان جواب أميركا وحلفائها، رفض المبادرة قبل مناقشتها أو النظر فيها، ربما يعتقد بعضهم، أن الرد كان في سياق واقع سياسي أفرزته أزمة احتلال الكويت، لكن لا يمنع من الإشارة إلى أن أميركا وحلفاءها ينظرون إلى مبادرة مثل هذه، كخيال سياسي وشطحة من شطحات الرومانسية الثورية التي يتمتع بها بعض القادة في عالمنا الثالث، لأنهم يتبعون مصالحهم وتقاسم نفوذهم، وكثير من مصائبنا تصب في مجرى فوائدهم الاقتصادية والسياسية.

تضحيات الإنسانية كبيرة، ونزيف دمها لن يتوقف، لأننا لا نريد أن نرى حقيقة أننا نشترك في إنتاج التعصب وعدم حب الحياة، عندما نصنع الحواجز والفوارق بين البشر ونوع وطبيعة مستويات الدول.

منذ سنوات والعالم يتأرجح في المفاضلة بين إقالة حاكم من منصبه، أو إقالة شعب من الحياة، وينام ملء جفونه، وفي العراق تتساقط المدن والناس بأيدي الإرهاب بعد تنصل المحتل الأميركي عن التزاماته. فرنسا، بعد 13 نوفمبر 2015، عليها واجب، إعادة العالم إلى سكة إنسانية مبجلة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر