السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

ذاكرة للنسيان

بالتأكيد كانت مآسي الربيع العربي، مواكبة بتحليلات عبداللطيف وباستنتاجاته وأحلامه، التقطت دوما كدفقة رؤيا هادية، بيد أن مجتمع الحلم بات على الدوام مؤهلا للتجاوز والنسيان.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2015/11/18، العدد: 10101، ص(15)]

كنت محظوظا بصداقة عبداللطيف اللعبي، التي ولدت من رحم ولع قديم بإبداعه، وتقدير كبير لنضاله، كنت أظن أني خبرت عوالمه واقتربت من معابره بما يكفي، بعد العدد الكبير من المقالات التي كتبتها عن رواياته ودواوينه وسيره، وحين طلب مني بنبل ومحبة كتابة مقدمة لروايته “قاع الخابية”، وأخرى لمحاوراته “القراءة العاشقة”، ظننت أني اجتزت الامتحان الأصعب في معرفته، وبدعوة من مهرجان سينما البحر الأبيض المتوسط قبل شهور، ستتاح لي فرصة متابعة عرض أول لفيلم “نصف السماء” لعبدالقادر لقطع، عن سيرة نضال جوسلين اللعبي، اكتشفت حينها أنني لا أعرف أشياء كثيرة عن الثنائي الشهير، وعن الصداقة التي لا يفسدها الارتباط.

لا أقصد التفاصيل والمعلومات، وإنما صورتها والأحاسيس المتصلة بها التي لا يمكن أن تنقلها الكتابة أي كتابة، عن صداقة وجدانية تخلصت بعقلانية من التجلي المفرد، وعن سطوة الذوبان المرزئة بين شخصين جمعهما قدر المحنة، وحلم الكتابة.

وحين نشرت الصحافة وقائع حادثة الهجوم الليلي على منزل عبداللطيف اللعبي، والاعتداء الجسدي العنيف عليه وعلى جوسلين، كان التعاطف بقدر المحبة، من كتاب ومناضلين ومتلقين لأدب وفن “آل اللعبي”؛ فلم يعد ثمة عبداللطيف الشاعر والروائي والمسرحي وحده، بل ثمة جوسلين الروائية وريم (ابنة أخيه) الفنانة التشكيلية، وامتدادات أخرى متفرعة عن الخطوط الواضحة، كان التعاطف والتضامن والاستنكار، لكن كان ثمة أيضا سؤال عريض عن مجتمع الوفاء الذي بات ضيقا جدا ومحصورا في دائرة قديمة من الرفاق والعارفين، وانبهق الاستنكار عريضا: هل من الضروري لكي لا ننسى أن تحدث مأساة ما؟ بالتأكيد كانت مآسي الربيع العربي، مواكبة بتحليلات عبداللطيف وباستنتاجاته وأحلامه، التقطت دوما كدفقة رؤيا هادية، بيد أن مجتمع الحلم بات على الدوام مؤهلا للتجاوز والنسيان.

كانت مفاجأة إذن محنة اللعبي الأخيرة، وكانت زلزالا منبها لحجم الانهيار الذي ننساق إليه، وإلى قدر الفجيعة المنظورة، فبغض النظر عن نوازع الجريمة، ثمة نتيجة عامة مفادها أن المغرب الذي كان تلاميذه يعرفون اللعبي في أطوار أولى وينقلون اسمه لعائلاتهم كتميمة تدخر البركات، برغم ما قد يتهدد تلك الذخيرة من مخاوف، بات اليوم مغربا دون تمائم ولا ذخائر ولا بركات، صار ذاكرة منخورة، أتعبتها سنوات الترويض على المحو.

في مساء ذلك اليوم، يوم إعلان الواقعة، كنت خارجا من إلقاء آخر محاضراتي حين رن هاتفي ليخبرني المتصل بما جرى، حدثت طلبتي عن الواقعة وعن الشاعر والمناضل الشهير، مستنكرا ظواهر العنف المتفاقمة في المجتمع، ومتوسّلا بعض المؤازرة المعنوية، كنت أتحدث بحزن ومرارة، حين قاطعني أحدهم سائلا “من هو اللعبي يا أستاذ؟”، كان سؤاله بريئا كالخطيئة وباردا كفاتورة حساب.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر