الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

أحزان لا معنى لها

فنحن نعيش مهما تشبثنا بموتنا.. وقد نموت ونحن في أقصى نوبات تمسكنا بالحياة.. ولذا فلا جدوى ترتجى بغير المواجهة والقبول والتقبل.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2015/11/18، العدد: 10101، ص(21)]

لا تصعد السلم قفزة واحدة.. لأنك لست هرقلا.. إن أنت إلا إنسان.. لا تحرق مراحل المضي مرة واحدة.. فلكل مرحلة طعمها ونكهتها وداؤها ودواؤها وألمها وعلاجها.. كهذا تقول لنا تعليمات التعافي.. وهكذا يخبرنا المهتمون بصحتنا النفسية..

لا تستسلم.. خض تجاربك وحروبك مع نفسك بنفسك.. ولكن لا تقسُ.. جرّب كل الطرق لتنجو.. فأنت الخاسر والرابح الوحيد في آخر الأمر.. لا بأس من محاولة “الاستعانة بصديق”.. أو طلب المساعدة والمساندة.. لكنك تبقى وحدك صاحب المشكلة ووحدك تملك الحل.. ولا حل يبدأ إلا من داخلك.. لا حلول في الخارج إذا كان الداخل مهشما أو غضا وضعيفا..

هل تخاف الفشل؟.. “النجاح يعني المضي من فشل إلى آخر بحماس كبير”.. هكذا علمونا.. فلا تسأل الناجح “كيف نجحت؟”.. بل اسأله “كم مرة فشلت لتصل إلى هذه المكانة؟”.. ولذا يكفيك أحيانا شرف المحاولة مهما أخفقت فيها.. لأننا حتى في الفشل والإخفاق نتعلم.. ولا نصل حيث نريد دون عثرات أو إحباطات أو صدمات أو خذلان أو فقدان أو أوجاع.. لا بياض بلا سواد.. “والضدُّ يظهر حُسنه ُالضدُّ”…

وتعلمُـنا دروس النهوض أن نواجه مخاوفنا.. وبألا نتجنّـبها.. ولكن ليس مباشرة ولا لمرة واحدة وإلى الأبد.. لأن التحديات الجسام قد تضعفنا وتجعلنا أكثر عرضة للانكسار والتداعي.. نحن نستطيع أن نتحدى أنفسنا وألا نستسلم لضعفنا، ولكننا إذ نفعل ذلك بخفة وبالتدريج فلن ندع مجالا للتراجع أن يأخذنا بتياره إلى الوراء ويضيع كل ما نحاول أن نبنيه في داخلنا..

محبتنا لأنفسنا والرأفة بها والرفق والحنو تجعلنا نجزل العطاء للآخرين ونمنح المحبة لهم.. بها نصبح أقوى وأقدر على استيعاب الحياة بكل حلاوتها ومراراتها وأزماتها وساعات صفوها ومسراتها..

نحن أحيانا نمتلك الخيار.. لنتمسك بتلك اللحظة.. لحظة أن نقرر أننا بخير.. وأن نتصرف على ذلك الأساس فقط.. حتى لو بدا ذلك إدعاء وتخديرا للنفس.. فربما يجدي أن نقرر أننا بخير فنكون بخير فعلا.. هذا ما يقوله لنا قانون الإيحاء وقانون الجذب وقانون الطاقة.. وأيضا قانون الحياة..

فنحن نعيش مهما تشبثنا بموتنا.. وقد نموت ونحن في أقصى نوبات تمسكنا بالحياة.. ولذا فلا جدوى ترتجى بغير المواجهة والقبول والتقبل.. ولست هنا بصدد الحديث عن فكرة الرضى.. رغم أنها دامغة وفذة وتخلق السلام والسكينة.. لكنني لا أحب ما توحي به من استسلام للقدرية.. ربما لأنني خبرت الحياة بوصفها حربا دائمة وصراعا متواصلا من أجل النجاح والبقاء.. لكنني أيضا أشير إلى الممكن والمتاح الذي يضعنا دائما على أولى درجات سلم الحلم.. بلا هواجس قد نصدقها فتغدو حقائق.. بل بإذكاء عاطفة التفاؤل ومحاولة تأجيل صراعات الأفكار المتشائمة..

ولنتذكر دائما.. بأننا في أول الأمر وآخره بشر.. ولو لم نكن بشرا لما أصابتنا الهزات وزعزعت دواخلنا مشاعر الألم.. وتبقى ثمة آلام وتعب وأحزان لا معنى لها ولا تستحق أن ندعها تستوطننا وتستلب منا عزيمتنا وصبرنا وقدرتنا على الحياة بكل تفاصيلها ولحظاتها..

نحن لا نحيا سوى مرة واحدة.. وأعتى الخسارات لا يمكن أن تضاهي خسارتنا لكل يوم يمر دون أن نؤثثه بذكريات تستحق التذكر..

صباحكم إصرار..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر