الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

نحن وأميركا، نحن وأنفسنا.. إنعاش للذاكرة

لم يفهم حجم مصر وقدرها إلا قادتها الكبار، من تحتمس الثالث وأمنحتب الثالث وحور محب ورمسيس الثاني إلى عبدالناصر مرورا بمحمد علي.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/11/18، العدد: 10101، ص(9)]

لا يمضي التاريخ وفقا لقوانين صارمة، ولا تحركه مؤامرات محكمة تريح ضمائر الكسالى، وتعفيهم من المسؤولية عن جرائم يرتكبونها كمفعول بهم. الجانب الشخصي يلعب أدوارا حاسمة في تغيير مجرى التاريخ. بسبب امرأة قامت حرب طروادة، كان انجذاب هيلين زوجة ملك إسبرطة للأمير باريس ابن ملك طروادة شرارة أشعلت الحرب، لاستعادة الأميرة والثأر الشخصي أيضا. وكان غزو العراق عام 2003 ثأرا شخصيا لجورج بوش الابن، لم ينكر في خطاب رسمي بالأمم المتحدة عام 2002 شعوره بالمرارة التاريخية من قيام صدام حسين بمحاولة اغتيال أبيه، أثناء زيارته للكويت عام 1993. أميركا بجلالة قدرها انتقمت من فنانة تشكيلية عراقية لا تملك سلاحا. كانت المكايدة الشخصية سلاح العاجز، في حدوده الضيقة، فرسمت ليلى العطار صورة الرئيس الأميركي جورج بوش الأب في مدخل أرضية فندق الرشيد في بغداد، لكي يطأها الداخل والخارج، ولم يكن صدام، المهان في حصاره، يشكّل خطورة على أحد عام 1993، حين انتقمت أميركا العظمى بغارات الصواريخ التي استهدفت بيت ليلى العطار فاختلط رماد البيت بأشلاء أهله الشهداء. في الجانب الشخصي للكوارث يقفز اسم توني بلير الذي أصر على الاشتراك في تدمير العراق، رغم الاحتجاجات الشعبية في بلاده، ووصف البعض له بأنه “كلب بوش”.

مصر تتعرض منذ السبعينات لأخطر عملية استلاب طوعي. غير أن أنور السادات وجه البلاد اجتماعيا واقتصاديا، أما سياسيا فأعلن إذعانه لإسرائيل والتسليم بأن المستقبل بيد أميركا، رغم ادعائه بالتشبه بعمر بن الخطاب، وانتحاله لقب “الرئيس المؤمن” مسبوقا باسم “محمد” الذي لم يعرف به قبل ذلك. وبحكم الانحدار التالي كان حسني مبارك “الكنز الاستراتيجي لإسرائيل”، ثم خاطب محمد مرسي في 19 يوليو 2012 رئيس الكيان الصهيوني متوددا: “صاحب الفخامة السيد شيمون بيريز رئيس دولة إسرائيل.. عزيزي وصديقي العظيم”، ثم فقد وزير الخارجية نبيل فهمي منصبه، بعد تصريح في مايو 2011، قال فيه إن العلاقة بين مصر وأميركا “علاقة زواج، وليست نزوة عابرة”. وسيقول عبدالفتاح السيسي في أكتوبر 2015 في مقابلة مع وول ستريت جورنال “إن مصر لن تدير ظهرها لأميركا، حتى إن أدارت أميركا ظهرها لمصر”، في توارد خواطر يثير العجب، مع قول نائب المرشد العام لجماعة الإخوان رشاد البيومي، في مايو 2013 “مصر تحت قيادة مرسي، لن تدير ظهرها للولايات المتحدة”.

أضاع السيسي فرصة نادرة لكسب الشارع المصري، فعلها جمال عبدالناصر عام 1956. لم تنسَ فرنسا موقف مصر المساند لثورة الجزائر (1 نوفمبر 1954)، ولا نسيت بريطانيا مرارة قطع ذيل الأسد، وإسدال مصر الستار على الإمبراطورية، فشاركتا إسرائيل في العدوان الثلاثي عام 1956، وكان الرهان على إسقاط عبدالناصر لولا اعتصامه بالشعب. ثم تواصل الظن بأن هزيمة مصر عام 1967، بتواطؤ أميركي فرنسي مع إسرائيل، تسهل اصطياد عبدالناصر، لولا رفض الشارع المصري والعربي والجنوبي هذه المرة.

أضاع السيسي الفرصة الكفيلة باستعادته بعضا من شعبيته. استقبلته بريطانيا بتصريح مهين، بعد حادث الطائرة الروسية في 31 أكتوبر 2105. لا علاقة لبريطانيا بالكارثة، ولا تحمل الطائرة ضحايا بريطانيين، ولم تكن التحقيقات قد توصلت إلى أدلة على زرع قنبلة في الطائرة. وبدلا من التنديد بإرهاب يمحو الحدود ويتجاوز الخرائط، سارعت بريطانيا إلى إدانة الضحية وحصارها اقتصاديا، وقد سبق أن تضامنت مع تونس في الحرب على الإرهاب، بعد تفجير سوسة في 26 يونيو 2015، وكان الضحايا نحو 40 منهم 28 سائحا بريطانيا. وفي مثل هذه الكوارث يسارع العقلاء إلى إطفاء الحريق تضامنا مع الضحية قبل إدانته بالإهمال، جرى ذلك في تفجيرات 11 سبتمبر 2001، وفي تفجيرات مدريد ولندن.

أن تقرر بريطانيا استقبال السيسي، في زيارة رسمية تتزامن مع ذكرى وعد بلفور، وتعلق سفر السياح البريطانيين إلى شرم الشيخ، إهانة للدولة المصرية، وكان الرد التلقائي هو قطع الزيارة والعودة إلى القاهرة، ولكن السيسي لم يكن عبدالناصر الذي اعتصم بالشعب، وأعلن أننا قادرون على المواجهة، بعد أن رفض جملة غير لائقة في اجتماع مع مندوب الإمبراطورية روبرت منزيس رئيس وزراء أستراليا، في سبتمبر 1956 بحضور وزراء خارجية السويد وإيران وأثيوبيا و مبعوث الرئيس الأميركي. قال منزيس لعبدالناصر إنه جاء إلى القاهرة ليبلغه قرارا، “ويجب أن تعرف أن…”، فغادر عبدالناصر الاجتماع قبل أن يكمل منزيس جملته، وتم الإعلان عن فشل “لجنة منزيس”.

لا تنسى أميركا أن 30 يونيو أربكت خرائطها للمستقبل. في 15 يونيو 2013 شاهدنا أول رئيس مصري يهبط إلى إخوانه في استاد القاهرة حاملا علما غير مصري، وأعلن الرجل الجهاد في سوريا، وكان يضبط ساعته على التوقيت الأميركي، بعد ساعات من قرار باراك أوباما زيادة الدعم العسكري لمقاتلي المعارضة، ومطالبته بفرض منطقة حظر جوي، وتزويد معارضي الأسد بأسلحة ثقيلة مضادة للطائرات. حددت 30 يونيو العدو، برفع صورة أوباما بلحية المرشد العام للإخوان. كانت أميركا عدوا يريد الاستثمار في الإخوان، وظلت تراهن عليهم حتى بعد أشهر من خلع مرسي. ولم تكن السفيرة الأميركية آن باترسون تُعنى بسراب اسمه “شرعية مرسي”، وكانت تعقد الاجتماعات مع الرئيس الحقيقي خيرت الشاطر.

لم يفهم حجم مصر إلا قادتها الكبار، من تحتمس الثالث ورمسيس الثاني إلى عبدالناصر مرورا بمحمد علي. مصر كبيرة، أكبر بكثير من وعي السيسي الذي لا يفهم حجم البلد، ولا يعي منحنى شعبيته التي كانت، ويحلو له أن يغازل أميركا، غير واع بحكمة شعبية تقول إن من يتغطى بأميركا عريان، وإنها تضحي بكل ورقة يمسها الخريف من شاه إيران إلى مبارك.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر