الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

عقول تحت السيطرة

صديقي أردف بأنه إذا تغلغل العرّاف أو المنجم في عقل حريفه وسيطر عليه، استطاع أن يأمره وأن يوجّهه، وبالتالي أن يعطي أوامره فيستقبلها العقل الباطن.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2015/11/18، العدد: 10101، ص(24)]

حدثني صديق يعمل في مجال العرافة والتجميل فقال: أول ما يتطلبه عملنا هو أن يستطيع محترفه السيطرة على عقل الحريف وعلى حواسّه، وأن يدرك منذ الوهلة الأولى نقاط ضعف الزائر ليستثمرها في التشخيص، ولا تنجح مهاراتنا إلا مع ذوي الشخصيات المهتزة الضعيفة القابلة للخضوع، أما أصحاب الشخصيات القوية فعقولهم عنيدة لا تقبل الانصياع، وهم شكّاكون، كثيرو الأسئلة، لذلك لا ينفع عمل العرّاف أو المنجّم أو الطبيب الروحاني.

وأضاف صديقي أن قوة الشخصية هذه لا ترتبط بالتعليم ولا بمستواه، ولا بالوضعية الاجتماعية وإنما بالحالة النفسية أولا وأخيرا، وأسرّ لي بأن هناك أطبّاء ودكاترة وأساتذة جامعيون وقادة وزعماء ومسؤولون كبار وحتى ضباط أمن التجؤوا إليه، وأنه فهم من خلال تجربته الطويلة في مجال عمله، أن البشر صنفان: بشر مسيطرون وبشر واقعون تحت السيطرة، وأن العقول نوعان: عقل يقود وعقل يقاد، وعقل ميزته الإبداع، وعقل سمته الاتّباع، وأن مهنة العراف كالساحر والشاعر والإمام ورجل الدين والزعيم الملهم، تحتاج إلى قدرات تأثيرية فاعلة، تقابلها استعدادات من الطرف المقابل ليقع تحت تأثيرها وينفّذ أوامرها وهو مرتاح البال في أعلى درجات استسلامه.

وأردف صديقي بأنه إذا تغلغل العرّاف أو المنجم في عقل حريفه وسيطر عليه، استطاع أن يأمره وأن يوجّهه، وبالتالي أن يعطي أوامره فيستقبلها العقل الباطن، ثم يقوم بإقناع بقية أجهزة الجسد بها، فأن يأتي رجل مصاب بعجز جنسي طارئ إلى العرّاف، فمعنى ذلك أن المطلوب منه أولا أن يقتنع بأنه مريض فعلا، وأنه طرق باب الطبيب المنقذ، ثم أن أوامر العرّاف ستشفيه، فيتقبّلها، ويوجهها إلى الجسد لينفذ أوامر العلاج النفسي المباشر، وعادة ما تكون النتيجة الشفاء.

وهكذا فإن صديقي العرّاف، نجح في أن يفسّر لي حقيقة عمل مستقطبي الإرهابيين ومجنّديهم والمسيطرين عليهم، فأولا ما يتطلبه عمل الاستقطاب والتجنيد هو أن يكون محترفه قوي الشخصية، صاحب سيطرة، قوي الحضور، له بلاغة في الحركة والكلام، في حين يجب أن يكون الطرف المقابل قابلا للخضوع، ضعيفا، سرعان ما يقع التأثير العاطفي والنفسي، يقع في الحب بسهولة، كما يقع في الإرهاب بسهولة، وعقله جاهز لاستيعاب ما يُعرض عليه، دون أن يسأل، ودون أن يبدي شكّا أو ظنّا، ودون أن ينقد أو ينتقد، والأفضل أن يكون من ذوي الاتجاه المعرفي والعلمي الواحد.

وكما يسيطر العرّاف على حريفه، يسيطر رجل الدين المتشدد على ضحاياه، فالمسألة في الحالتين قديمة ومتوارثة، وهي تتعلّق بالعقل الخاضع للتأثير الخارجي، وبقدرة الطرف المقابل على برمجة ذلك العقل، ليحوّله إلى أداة مطيعة قادرة بدورها على السيطرة على الجسد سيطرة كاملة حدّ تحويله إلى قنبلة موقوتة يحيط بها حزام ناسف.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر