الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الأتاتوركية وأردوغان... صراع محتدم على هوية تركيا

  • تطرح الانتصارات الانتخابية المتتالية لحزب العدالة والتنمية، سليل التيار الأربكاني ووريث “العثمانية الحديثة”، إضافة إلى الهزائم المتلاحقة لجناحي الثقافة الأتاتوركية (التيار العلماني والقومي)، أكثر من تساؤل حول مدى التأثير الذي أحدثه رجب طيب أردوغان في علمانية الدولة ولائكيّة المؤسسات “الكمالية” وفي “لاوعي” الشعب التركي المدني.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/11/18، العدد: 10101، ص(12)]

رغم سعي أردوغان إلى استمالة فئات واسعة من الشعب التركي إلا أن المقاومة المجتمعية الرمزية آخذة في التصاعد

الانتخابات الماضية كانت على غير كافة الاستحقاقات الانتخابية السابقة تحمل “عنوان” التغيير العميق في بنية النظام السياسي التركي وتحويله من برلماني إلى رئاسي، وهو رهان وتحدّ ما كان ليطوله أردوغان لولا إدراكه للتغيّرات الحاصلة في البنية النفسية للشعب التركي بعد عقد كامل من “سياسة الأخونة والأردغنة” الناعمة.

وتؤكد الدراسات الإعلامية في مجال التأثير غير المباشر، أنّ المضامين الإخبارية تتسلل إلى ذهن المشاهد مثل تسلّل “حقنة تحت الجلد” وتعيد تأثيث تمثله للظواهر وتأسيس آرائه حول الشأن العام عبر السيطرة على سلّم أولوياته وانشغالاته من خلال نظريّة “الأجندا”.

تأسيسا على التقاطع بين الإعلامي والسياسي والاستراتيجي تمكّن حزب العدالة والتنمية من التسلل إلى العقل الجماعي التركي من خلال السيطرة على مؤسسات خلق الوعي وتأصيل الهويّة الجماعية، ونعني بها المؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني والمنشآت الاقتصادية والسلطة القضائية وليس انتهاء عند المؤسسة العسكرية التي كانت تمثّل خطّ الدفاع الأوّل عن العلمانية الأتاتوركيّة.

وكان امتلاك أردوغان لمقوّمات السلطة الناعمة من مال وإعلام مدعومة بخطاب دينيّ ذكي يستلهم من الخطاب الصوفي بعض المفردات ويستقي من خطاب “الجماعة المسلمة” بعض المصطلحات دون أن يثير حفيظة سدنة الكمالية الأتاتوركيّة، كلها كانت مقدّمات وافية لبداية انقلاب عميق على مبادئ العلمانية التركية. كما استفاد حزب العدالة والتنمية جيّدا من تقارير الاتحاد الأوروبي الرافضة لتدخل الجيش في الشأن العام التركي والمنددة بسيطرة المؤسسة العسكرية على مقاليد السلطة في أنقرة، حيث كانت هذه التقارير خلال عقد مضى بمثابة “تقارير تجديد شروطها” على تركيا للانضمام إلى النادي الأوروبي والتي كان على رأسها تحجيم دور الجيش، الأمر الذي استغله أردوغان لتطويق وتثبيت الجيش في ثكناته العسكرية.

قوى الرفض والمقاومة التركية موجودة ولا بد لها من زعيم سياسي حقيقي يجمعها تحت مظلة سياسية انتخابية واحدة

وكما فتح الاتحاد الأوروبي المجال أمام أردوغان لتصفية حسابه مع الجيش، عبر منح المنتظم الأوروبي ورقة رابحة ضمن الصراع السياسي الأيديولوجي في تركيا لصالح حزب العدالة والتنمية، حيث وصف مجلس حقوق الإنسان التابع للاتحاد الأوروبي العلمانية الأتاتوركية المحروسة من الجيش بـ”الأيديولوجيا المتطرفة والمتنطعة”، وهو ما جعل أردوغان في الذهنية السياسية التركية يمثّل القراءة التصحيحية والمراجعة العميقة للأتاتوركية الكلاسيكية.

وظف أردوغان جيّدا هذا “التمثّل” الشعبي، فأصبح يتحدّث باسم الأتاتوركيّة الجديدة ويشدّد خلال تصريحاته وخطاباته السياسية على أنه يشكل الوجه “المحيّن” لأتاتورك ولا يمثّل بأي حال من الأحوال مرحلة “ما بعد أتاتورك”.

وعلى مدى أكثر من عقد من الزمان كان أردوغان يدافع عن أتاتورك لسانا ويقوّض التأصيل العلماني الجمهوري ميدانا ويركز كافة جهوده على التغيير العميق والبطيء لنظرية المعرفة لدى الإنسان التركي.

وعلى الرغم من النجاحات التي حققها أردوغان وفريقه في المشهد التركي وتمكنه من السيطرة على مقاليد السلطة التنفيذية والتشريعية في البلاد، إلا أنّ مقوّمات “المقاومة” الرمزية آخذة في التشكّل والبروز أكثر فأكثر على ضوء تكشّف المشروع الأردوغاني وانكشاف لعبة “الأصيل” و”البديل” بين الإخوان وأردوغان من جهة أولى والحلف الأطلسي وتركيا من جهة ثانية.

فكما وظّف أردوغان تقارير الاتحاد الأوروبي في معركة كسر العظام ضدّ العلمانيين، فإنّ تقارير الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الحقوقية الدولية عن الحالة السياسية والإعلامية المتردية التي انزلقت إليها تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية، وضعت الرئيس التركي في مواجهة المجتمع المدني التركي المتحرك والنشط. وهي مواجهة لم يجد أردوغان من سلاح فعّال لدخولها سوى إغلاق المنصات الإعلامية للتواصل الاجتماعي والزجّ بالصحفيين في السجون والتضييق على المؤسسات الإعلامية المعارضة لسياساته الإقصائية، وهي حقائق مؤلمة وضعت تركيا بمراتب الدول الاستبدادية وفي أسفل ترتيب البلدان المعادية للإعلام الحرّ والتعددي.

على مدى أكثر من عقد كان أردوغان يدافع عن أتاتورك لسانا ويقوّض التأصيل العلماني الجمهوري ميدانا ويركز كافة جهوده على التغيير العميق والبطيء لنظرية المعرفة لدى التركي

استفراد أردوغان بـ”المجال العمومي” التركي وشخصنته للدولة والحزب معا، هنا لا يمكن تفسير استحضار الجيوش العثمانية وما قبل العثمانية وتشييده لقصر عثماني على شاكلة قصور سليمان القانوني إلا بتملك الذات للدولة وللتاريخ سويا، ما أفرز أصواتا معارضة لأردوغان وسياسته الإقصائية من داخل العدالة والتنمية ذاته على غرار الرئيس السابق عبدالله غول ووزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان.

اليوم، تتحرّك صلب المجتمع التركي ثلاثة دوافع للرفض، الدافع التضامني مع شريحة من الشعب التركي الكردي الذي لم يحظ بعد بحقوقه الثقافية واللغوية في بلد ثري على مستوى الإثنيات، يلي ذلك الدافع الريبي من حالة الاستبداد والإقصاء (إعلاميا وقضائيا وحقوقيا وسياسيا) التي باتت عليها تركيا اليوم في ظلّ ضعف القوى الموازية للحكم على خلق حالة توازن سياسي، ثم الدافع التنديدي بالسياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية والتي انتهت بتحويل تركيا إلى دولة في بركان من الأزمات الإقليمية من العراق إلى سوريا ومنها إلى أرمينيا دون نسيان قضيّة قبرص التركية واليونانية المؤرقة لشعب قبرصي يريد الانعتاق من ربقة الانفصال.

الإشكال أنّ قوى “البدائل” السياسية والنقابية والاجتماعية في تركيا ضعيفة، وهو ما تبدى خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث أجمعت القوى اليسارية والعلمانية على مرشح “محافظ” لدخول الاستحقاق الرئاسي ألا وهو إحسان أوغلو، الأمر الذي وظفته واستغلته جيدا الماكينة الانتخابية للعدالة والتنمية.

قوى الرفض والمقاومة التركية موجودة ولا بدّ لها من زعيم سياسي حقيقي يجمعها تحت مظلة سياسية انتخابية واحدة ويستثمر حالة التململ، على وقع انهيار سعر الصرف المحلي، ودون ذلك فإنّ تركيا مقدمة على عصر “ما بعد أتاتورك” و”ما قبل الجمهورية الكمالية”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر