الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

حلب يا خزانة المدائن

بدلا من أن تصمموا مدنا جليدية عوضا عن مدن أصلية لا تشبه عراقتها أية مدينة أخرى، ارفعوا بلاءكم ووسخ صفقاتكم عنها.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/11/19، العدد: 10102، ص(16)]

هل التعرّف على رغبة مهندس معماري في تصميم مدينة وبنائها بهدف “تأثيثها” بالمهاجرين السوريين يجب أن يقتصر على تقدير هذه الأمنية ذات الأبعاد الإنسانية، أم يتخطاها إلى التساؤل عمّا يحدث فعلا؟ إلى أي مدى يمكن للصحفي أن ينجرف في حرقة تداعيات الأفكار التي تمرّس على استيعابها خلال نموه وعيشه في منطقة دائمة التفجر؟

منذ عدة أيام قرأت في صحيفة عربية مقالا عن مهندس معماري ألماني باسم مانفريدي أوسترفيلد، يتمنى تحقيق حلم شخصي راوده منذ سنين، وهو تصميم وتنفيذ مدينة أطلق عليها اسم “حلب الجديدة” وقدم للعالم رسما تخييليا لها.

نظرت إلى الرسم المرافق للمقالة وترددت طويلا في الكتابة عنه لأنه خارج عوالم التشكيل الفني المباشر، ولكنه في صلبه في الآن ذاته، إذ يحمل في طياته احتدام المواجهة بين الظاهر والباطن، والخيالي والواقعي، وبين الشخصي والعام، وبين الغضب الثائر والحزن الصامت.

فكرة المهندس تنمّ عن دوافع إنسانية، ولكن الرسم الهندسي “للمدينة البديلة” هو في الواقع لمدينة “لا مرئية” على الأقل من وجهة نظر من سُلخ عن أجمل الأوطان، وطنه، من قبل المجتمعات- السياسات التي تستنكر ما يحدث له.

لا مرئية لأنها “مزيفة”، تجمعات سكنية مرصوصة ذات هندسة أوروبية عصرية ومعزولة عن باقي المناطق.

مدينة مثالية، وفق أحلام المهندس “الخيرية”، إذ توجد فيها شقق للسكن، ومدارس، ومستشفيات، وصالات سينما، إلخ. و“مكان لبناء مسجد”. لا أدري لماذا شكّل المهندس النابغة مدينته الافتراضية تلك حول مسجد، ربما لجهله بوجود المسيحيين العريق في هذه المنطقة من العالم، أو ربما لأن كنيسة إضافية يمكن أن تبنى في أي مكان في ألمانيا خارج “المدينة المحظورة”، أمر لا ينطبق على بناء مسجد “إرهابي” الأبعاد خارجها، كلّ من الافتراضين مثير للاشمئزاز.

“يوتوبيا” المهندس الألماني مكان “يُشعر السوريين بالارتياح: ألوان حيوية تضاف إليها بعض المعالم الهندسية من الوطن كي يعثر الساكن فيها على هويته من جديد”. جهد مشكور يذكر “بالزينة” التي يحرص على تأمينها أصحاب الحضانات، لكي ينعم الأطفال الأبرياء بأجواء الدفء المنزلي.

الأنكى من هذه المقالة هي نسختها الأصلية المكتوبة باللغة الإنكليزية، إن كان ذلك بسبب التعليقات التي تخللت مقالة الصحفي دانيال غرينفيلد، أو تعليقات القراء اللاحقة وهي الأفظع والأصدق من المقالة الأصلية والمترجمة على السواء، إذ تعبر عن نفسية دنيئة للآخر “الحاضن” للمأساة السورية ولكل مآسي الشعب العربي.

المقالة الأصلية وما رافقها من تعليقات أكدت لي ما ارتسم في خيالي لحظة رأيت فيها صورة “حلب الجديدة”. معظم هذه التعليقات هي إما مُرحبة بمدينة ستشيّد تحت شعار “المؤاخاة” وهي في الواقع عبارة عن مناجم من الطبقة الكادحة والرخيصة، أو هي تعليقات من هذا القبيل “بما أنه من المستحيل لألمانيا إقامة معسكرات إعدام بالغاز فهي ستحشر من هم دونها فكرا وإنسانية في مدن ظاهرها ورد وباطنها قهر”.

أحالني الرسم التخيليّ إلى مشهد رأيته منذ عشر سنوات لشبه جزيرة اليهود في مدينة البندقية. هناك رأيت الرطوبة، والرماد، والبرد، والصمت، والعزلة، والمقابر التي تتخلط كلها في أماكن السكن المدكوكة فوق بعضها البعض بعناد هندسي غرائبي يشي من ناحية بكمية الحقد الذي “غلى” هناك، في أول غيتو يهودي في العالم، ومن ناحية أخرى تشي بانفجار محتوم لن يطال إلاّ من صُدّرت إليه المأساة. ما من أحد لا يعرف أسباب نشوء هذه “الجزيرة”، وما من أحد لا يعرف كيف تم “تصدير” الحقد والموت إلى منطقة الشرق الأوسط لكي يتنفس.. باقي العالم؟

ليس هنا بيت القصيد، بيت القصيد موجّه إلى العالم الكامن خارج منطقة الشرق الأوسط: بدلا من أن تصمموا مدنا جليدية عوضا عن مدن أصلية لا تشبه عراقتها أية مدينة أخرى، ارفعوا بلاءكم ووسخ صفقاتكم عنها.

يا حلب، يا خزانة المدائن كنت وستظلين كذلك، ولو أجرم المجرمون.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر