الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

داعش: الصورة المشوهة التي غلبت الإسلام والدولة

  • على الرغم من وجود أكثر من مليار ونصف المليار مسلم وما لهم من مساجد ومؤسسات دينية وشيوخ، إلا أن هذا العدد الكبير من أتباع الإسلام اليوم يصارع بصعوبة الصورة التي تمكنت طائفة صغيرة من ترويجها على الإسلام بأنه دين للعنف والإرهاب. ولهذا أصبح من الضروري اليوم الوقوف بجدية أمام داعش وأشباهه عبر تثوير واقع المسلمين.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/11/20، العدد: 10103، ص(13)]

تمكن المتطرفون من اختزال الإسلام في رموز عنفية أضرت بصورة المسلمين كافة

خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة فقط حصدت العمليات الإرهابية التي تنفذ باسم الإسلام المئات من الأرواح البريئة، ما بين حادث الطائرة الروسية في سيناء وتفجيرات لبنان وصولا إلى التفجيرات التي تلتها في فرنسا، ناهيك عن التفجيرات والأعمال الأخرى التي تحصل داخل المنطقة الترابية التي يسيطر عليها تنظيم داعش، وفي المناطق التي تسيطر عليها جماعات تتحدث باسم الإسلام، دون أن تلقى حظها من الأضواء الإعلامية الدولية بسبب التركيز على الحواضر الكبرى في العواصم الأوروبية، مما يعيدنا إلى القاعدة الشهيرة حول ازدواجية المعايير حتى في ضحايا الإرهاب.

يبلغ عدد المسلمين في العالم اليوم قرابة المليار و600 مليون نسمة، منتشرون عبر مختلف أرجاء المعمورة، وينظر إليهم على أنهم أتباع دين واحد لديه كتاب مركزي هو القرآن الكريم، ونبي واحد هو محمد، ولا توجد فيه واسطة بين العبد وربه، أو مؤسسة ناطقة باسمه، كما هو الحال في اليهودية أو المسيحية، كما ينظر إليهم على أنهم أتباع دين غير طائفي وغير متمركز، فالمسلم ليس من الضروري أن يؤدي الصلاة في المسجد، لأن الأرض كلها مكان للتعبد، خلافا للأديان الأخرى، وهو يتوفر على حالات استثناء بالمئات في طقوسه الدينية على العكس مما يوجد في الديانات الأخرى، إذ يمكنه أن يخرق شعيرة الصيام أو فريضة الصلاة أو غيرها من الفرائض والعبادات وفقا لظروف معينة، بناء على الرخص التي تقدمها الشريعة.

ولكن هذا العدد الكبير من المسلمين اليوم أصبح مرتهنا إلى صورة سلبية نمطية تنسحب عليهم أجمعين، يقوم بصناعتها العشرات أو المئات من الأفراد الذين ينتمون إلى جماعات متشددة تقدم نفسها ناطقة باسم الإسلام. فهم خاضعون قسرا لهذه الصورة التي ألصقت بهم، من دون أن يجدوا القدرة على رفع أصواتهم فوق صوت هذه الأقلية المتطرفة، لأن الناس لا تسمع سوى صوت الأسلحة ولا ترى سوى الدماء، فالأثر يدل على صاحبه، والقتيل لا يرى سوى القاتل في النهاية.

أكثر من مليار ونصف مسلم أصبحوا مرتهنين لصورة سلبية يقوم بصناعتها المئات من المتطرفين المتوحشين

إنه تحول تاريخي كبير جدا ليست له سابقة في تاريخ الإسلام. فلأول مرة تقوم الطائفة الصغيرة بالانتصار على الدولة، ولأول مرة يصبح سلوك الطائفة الصغيرة هو السلوك المركزي لدى من ينظرون إلى المسلمين، ويصبح سلوك الأمة التي تشكل الغالبية العظمى سلوكا هامشيا لدى هؤلاء، وبعد خمسة عشر قرنا ينتقل مركز الثقل ـ في صناعة صورة الإسلام ـ من الأمة إلى الجماعة الصغيرة، وتتقلص مساحة عطاء المسلمين طيلة هذا التاريخ إلى هذه المساحة الضيقة التي حصر فيها المتطرفون الدين الإسلامي، فلم يعد أحد ينظر إلى الماضي الطويل المليء بالتسامح، بسبب الحاضر الثقيل المليء بالمذابح.

توجد في العالم أجمع المئات من المؤسسات العاملة في الحقل الديني ومجال الدعوة، ولدينا في العالم كله مئات الآلاف من المساجد التي يأتي إليها الملايين لسماع خطبة الجمعة مرة في الأسبوع، وخطبتي العيد مرتين في العام، ولدينا من العلماء في الدين والفقهاء مئات الآلاف الذين يكتبون ويخطبون ويدرسون في الجامعات والمؤسسات والمعاهد في طول الأرض وعرضها، وهو عدد لا يوجد في أي ديانة أخرى، بما في ذلك المسيحية التي يفوق عدد أتباعها عدد أتباع المسلمين، نظرا لأن المجال للكلام في الإسلام مفتوح. وفي كل يوم هناك المئات من المؤتمرات والندوات واللقاءات التي تعقد حول موضوع من الموضوعات في الإسلام في جميع أقطار الأرض؛ وتوجد في كل دولة عربية أو مسلمة وزارة لديها جيوش من البشر العاملين مهمتها الإشراف على الدين، وبجوارها أعداد كبرى من المؤسسات أو المراكز أو المجالس العلمية. ومع ذلك كله يستمر التطرف ويستقطب المزيد من الشباب، ويوجد مركز الثقل إلى جانب المتطرفين، لا إلى جانب هؤلاء أجمعين.

إن القول بأن”الإسلام بريء من التطرف”، الذي يتكرر في كل مناسبة ينفذ فيها متطرفون مذابح وسط الآمنين، ليس كافيا للدفاع عن المسلمين في وجه الشكوك والاتهامات التي توجه إليهم في كل مكان، كأتباع دين متشدد يفرز متطرفين وقتلة، لأنه مجرد قول بلاغي خال من مدلولاته الواقعية على الأرض، ولذلك لم يعد يقنع أحدا اليوم.

ومن باب العدل والإنصاف القول بأن فكر التطرف وفقه التطرف في الإسلام لقيا محاربة لا هوادة فيها من لدن العلماء والفقهاء على مر التاريخ، إلى يوم الناس هذا، فليس الفقه الإسلامي كله فقها متشددا كما يروج البعض للنيل من الإسلام والمسلمين، كما أنه ليس جميع الفقهاء والعلماء في صف التطرف؛ ولكن عبارة “ليس كله” تعني أن هناك شقا متطرفا في الفقه الإسلامي، وهذا الشق للأسف هو الذي لقي رواجا طيلة العقود القليلة الماضية، بسبب التحولات السياسية وغير السياسية التي لا مكان للتفصيل فيها.

منذ قرون خلت توقف الإسلام عن أن يكون دينا قادرا على إنتاج حضارة، وأصبح على العكس من ذلك مرتبطا بكل أشكال التخلف الحضاري، والسبب في ذلك انكماش المسلمين داخل شرنقة المذاهب الضيقة، وتغليب المذهب على العقيدة

لقد حلت التيارات الفقهية محل الدين، ومع الزمن نسي الناس النشأة الأولى للإسلام وصارت المذاهب والمدارس هي الأصل، ولم يكلف أحد نفسه ـ إلا القليل ـ فريضة التنديد بهذا التوجه المنحرف والدعوة إلى الأصول الأولى للتدين كما أنزلت في القرآن وكما وضحتها السنة الصحيحة. وطيلة العقود الماضية ذهبت أصوات العلماء المصححين لهذا المسار سدى، بسبب غلبة الطباع التي تكرست عبر التاريخ، حتى أصبحت دينا احتل مكانة الدين، إلى حد أن كثرا ـ وللأسف الشديد ـ لم يعودوا يتعبدون لله، بل يتعبدون للأشخاص أو للمذاهب أو للتيارات، فتجدهم يستشهدون بآراء المشايخ ويقدمونها على الآية والحديث، أو يستشهدون بالآية والحديث فيغلبون قراءة المذهب والشيخ، فإذا سايرت الآية رأيه فبها ونعمت، وإذا خالفت تم تغليب رأي الشيخ بالتأويل. وقد غطت هذه الجوانب المظلمة في تاريخ الفقه على ما عداها، وهي الجوانب التي ركز عليها خصوم الدين لإظهاره كدين متشدد وغير إنساني؛ ولكن الحقيقة أن المتطرفين غلبوا هذه الجوانب المظلمة أيضا في ممارساتهم حتى أصبحت هي الإسلام في عيون الآخرين، فالمتطرفون وخصوم الدين سواء من حيث المنهجية، كلاهما يريد النيل من الإسلام والمسلمين؛ ذلك أن خصوم الإسلام أبرزوا تلك الجوانب المظلمة، والمتطرفون أخرجوها إلى التنفيذ.

منذ قرون خلت توقف الإسلام عن أن يكون دينا قادرا على إنتاج حضارة، وأصبح على العكس من ذلك مرتبطا بكل أشكال التخلف الحضاري، والسبب في ذلك انكماش المسلمين داخل شرنقة المذاهب الضيقة، وتغليب المذهب على العقيدة. والمعادلة واضحة ولا تستدعي كثير عناء: فقد كان المسلمون قادرين على إنتاج الحضارة عندما كانوا يعيشون في مجتمعات تعددية ومتسامحة تعتبر المدارس الفقهية فضاءات تعكس حرية الانتقال لدى المسلم بينها دون قيد، وخرجوا من الحضارة عندما أصبحت هذه المدارس الفقهية سجونا تخنق أنفاس المسلمين وتفرض عليهم الانتصار لأحدها على حساب الآخر، لذلك كان من الطبيعي أن يولد العنف، ولدينا في مثال الحنابلة والأشاعرة في القرن الخامس الهجري خير مثال. وليس هناك اليوم مسلم واحد يستطيع أن يتفاخر بما أنجزه المسلمون في العصور الحديثة، لكن هناك الملايين ممن يتفاخرون بما أنجزه الأسلاف الذين توقف عندهم خط التطور الحضاري، بعدما حول المسلمون المعاصرون الإسلام إلى خنادق أو طوائف.

يحتاج المسلمون اليوم إلى إحداث ثورة دينية حقيقية، تقتلع فقه التطرف والقتل والكراهية تجاه الآخرين، وتنتصر لفقه التسامح والتعايش، وهما فقهان يتجاوران داخل نفس الكتب الفقهية التي ورثناها عن الماضي، بل داخل نفس الكتاب لنفس الفقيه. ذلك لأننا ننظر اليوم إلى الفقه بمثل ما ننظر إلى التنزيل، ولا نربط بينه وبين سياقاته الاجتماعية والسياسية التي ولد فيها، بل نعتبره إنتاجا متعاليا تعالي النص القرآني المعصوم، وهو ما انتهى بالكثيرين إلى تقديس الفقهاء وأتباعهم كما لو أنهم مرسلون، لا بشر يصيب ويخطئ، وينسحب عليه ما ينسحب على البشر من التعصب والغرور والخطأ والهوى والتزمت.

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر