الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

العراق بلاد تتناثر فيها أراض مستقطعة وأخرى متنازع عليها

العنف والعنف المضاد قد صارا غطاء لتمدد لا حدود له لا سيما مع ظهور داعش في العديد من المدن مختلطة الأعراق وما تلا هزيمتها من ملء الفراغ عرقيا وطائفيا.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/11/21، العدد: 10104، ص(9)]

لم يكن أبو محمود يتوقع أن ينتهي به المطاف بائعا في دكان صغير في إحدى ضواحي بغداد تاركا داره وبستانه الصغير في أطراف مدينة خانقين العراقية ضمن محافظة ديالى، ووسط فوضى لا نهاية لها اسمها أراض مُستقطعة ومُتنازع عليها ومُختلف عليها. هي مصطلحات فوضوية متضاربة تم على ضوئها زحف مسلحين أكراد في مقابل رجال شرطة عراقيين على أراض احتفل بها الطرف الأول على أنها عادت إلى مكانها الصحيح وهو كونها أراضي كردية.

هذه الإشكالية أدت إلى تشوهات عرقية وطائفية مقيتة وقاتلة أجهزت على النسيج الاجتماعي المحلي وصار العرب غرباء في العديد من الأماكن التي أمضوا فيها أعمارهم وتوارثوها عن أجدادهم. ولكن حقائق السياسة اليوم تحكم التاريخ والجغرافيا، فكذلك يقول الأكراد إنها أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم، فمن الحكم بين الطرفين؟

حقائق السياسة تتعلق بمهام متصلة على قدم وساق منذ العام 2003 لتغيير مجمل الخرائط الديموغرافية لعراق ما قبل هذا التاريخ، ولهذا ستتمدد الأراضي المستقطعة وتتحول إلى شكل هلامي لا حد له بالسيطرة والاستقواء وما إلى ذلك، وإلا أين هو القانون والدستور؟ وأين العقد والاتفاق الذي يوضح حقيقة ما يجري ويرسم حدودا للفوضى ويضع المدن والقرى والبلدات المتآكلة طائفيا وعرقيا في مكانها الصحيح؟

في الحقيقة لا وجود لقانون ولا لخرائط يجري الزحف في ضوئها قانونا، بقدر ما أن العنف والعنف المضاد قد صارا غطاء لتمدد لا حدود له لاسيما مع ظهور داعش في العديد من المدن مختلطة الأعراق وما تلا هزيمتها من ملء الفراغ عرقيا وطائفيا. وهكذا أُتيح للقوت الكردية التمدد في العديد من تلك البلدات على أساس أنها مستقطعة من طرف النظام السابق.

الإشكالية التي يعرضها أبو محمود راسما على ورقة أمامه موقع قريته وقرى يسكنها أبناء عمومته تروي وتختصر القصة المعقدة الأكبر والأكثر اتساعا، والتي تتعلق بمدينة شاسعة وذات أهمية استراتيجية كبرى ألا وهي مدينة كركوك، فهي أيضا مما يعد أراضي مستقطعة، بل إن السلطات الكردية تعدها جزءا لا يتجزأ من الأراضي الكردية، فيما تسمع أغاني وأهازيج تقول إن كركوك ما هي إلا عراق مصغر بسبب تنوعها العرقي والإثني مما لا يمكن معه أن تصطبغ بلون واحد. لكن حقيقة الكنوز النفطية التي لا تحدها حدود سوف تركل أسطورة كون المدينة عراقا مصغرا، إلى كونها مدينة كردية شاء من شاء وأبى من أبى.

في ظل أوضاع كهذه سيبحث العراقيون عن ملاذ يقيهم شر فتنة هذا النزاع الظاهر والمستتر على الأراضي والقرى والمدن التي صارت تفقد هويتها تباعا وتنسلخ مما كانت عليه منذ العشرات من السنين، وليس ذاك الملاذ سوى الدستور. لكن الدستور يحيل إحالات غامضة وأخرى ميتة وقد انقضت مدة صلاحيتها، مثل الحل الافتراضي للمعضلة الكبرى المتعلقة بمدينة كركوك والتي تتعلق بالتطبيع، وصار التطبيع يعني إعادة الساكنين العرب منذ أمد زمني محدد إلى حيث أتوا طوعا أو كرها، ثم إيجاد بديل واقعي يتعلق بإجراء استفتاء يسبقه تعداد للسكان، تلك خلاصة الضجة المتواصلة منذ زمن ما بين أطراف الأزمة والمتعلقة بما عرف بالمدة 140 من الدستور والتي نصت على ما يلي “المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية في الحكومة الانتقالية، والمنصوص عليها في المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، تمتد وتستمر إلى السلطة التنفيذية المنتخبة بموجب هذا الدستور، على أن تنجز كاملة (التطبيع، الإحصاء، وتنتهي باستفتاء في كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها، لتحديد إرادة مواطنيها) في مدة أقصاها الحادي والثلاثون من شهر كانون الأول سنة ألفين وسبعة”.

لكن العام 2007 مر بسلام ولم يشهد لا تعدادا سكانيا ولا استفتاء. لكن المدينة قد حكمها منطق القوة في أعقاب سقوط الموصل في منتصف العام الماضي، ليتبعها مباشرة انتشار القوات الكردية وسيطرتها الكاملة على مدينة كركوك بالتزامن مع انسحاب قوات الحكومة المركزية من جيش وشرطة.

لا يبدو ذلك التمدد الكردي مرحلة مؤقتة ريثما تستعيد الدولة العراقية عافيتها فتستعيد كركوك وتنشر بها أجهزتها الأمنية مثلا، فلا تجد في أوساط ترتبط بالسلطة في العراق حماسة ولا رغبة في إثارة قصة الأراضي المستقطعة أو المختلف عليها أو المتنازع عليها، وكلها تسميات تعني حالة واحدة وهي أنها أراض عراقية هنالك من يطالب بها على أنها تعود لطرف دون آخر إما في غابر الزمن أو إلى زمن قريب، على الرغم من أن أغلبها تتميز بتركيبة سكانية مختلطة من ملل ونحل شتى وطوائف وعرقيات، لكن ذلك لن يسعف أحدا بسبب جرائم التهجير العرقي التي طالت مئات الألوف من العراقيين من مدنهم وقراهم، وهو ما أصاب أبا محمود في مقتل وهو يجر الحسرات على الأراضي التي فقدها وهرب بنفسه وعياله قبل أن تدركه النيران القاتلة للنزاعات العرقية والإثنية.

لا أحد يمتلك إجابة واضحة عن المئات من الكيلومترات المربعة التي تمثل وطنا مشوشا داخل الوطن، تلك التي تمثل أراضي موضع صراع ونزاع لا نعرف إلى ماذا سيفضي وإلى أين سينتهي ولا متى سينتهي. فالتشوهات جارية على قدم وساق والتمدد طولا وعرضا في بلاد تتناثر فيها الأراضي المستقطعة والمتنازع عليها والمختلف عليها وبالإمكان أن تقع في أية محافظة عراقية حتى ولو وصل الأمر إلى تخوم بغداد، كما هو جار في أغلب توابع محافظة ديالى مثلا، فالتمدد لا يعرف خرائط ولا حدودا ولا قانونا ينظم العملية، ولا أحد يمتلك إجابة عن دوامة الأراضي السائبة إلى أين يمكن أن تنتهي.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر