الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الإرهاب… و'فائض القيمة التاريخي'

  • غياب المشروع الشامل لدى جماعات الإسلام السياسي في البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي مكن القوى الدولية من استغلال هذه الجماعات وتوظيفها في سياق إيجاد تبريرات للإبقاء على النظرة الدونية للوطن العربي واستهداف مصالحه بحجة استهداف هذه التنظيمات، فقد ساعد الإسلام الحركي في تسريع وتيرة الهيمنة الغربية على بقاع واسعة من العالم.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/11/23، العدد: 10106، ص(13)]

ساهم الغرب في تأجيج ظاهرة الإرهاب بأدوات عديدة لتبرير الهيمنة على المنطقة

بينما تتزايد وتيرة الإرهاب في المنطقة العربية، وينتشر وباؤه من الماء إلى الماء، يصر الغرب على النظر إلى أمور المنطقة من الزاوية نفسها التي كان ينظر منها منذ عقود عدة، أي الاستمرار في تأبيد نفس السياسات التقليدية إزاء المصالح العربية والإسلامية، والاكتفاء بجلد الآخرين وتحميلهم المسؤولية عما يحصل من قلاقل في المنطقة، دون النظر في التركة الثقيلة التي خلفتها السياسات الغربية في المنطقة، ومن غير إحداث تحول في هذه السياسات وإجراء نوع من النقد الذاتي.

يتعامل الغرب مع أزمات المنطقة العربية، منذ الستينات على الأقل، من منطلق أنها تعكس حالة انعدام الاستقرار فيها، وغياب الثقافة الديمقراطية، واستعصاء آلية انتقال السلطة في بلدانها؛ وهي توصيفات لها بعض المسؤولية في التوتر القائم وفي جنوح بعض الجماعات إلى العنف.

ولكن هذه العوامل ليست سوى الوجه الأول للعملة، التي يوجد وجهها الثاني في السياسة الغربية التي بقيت طيلة عقود مضت من دون تغيير، وهي التي تقوم بتغذية المساحة العريضة من مظاهر العنف والتشدد. وباستمرار الغرب في هذه السياسة، فإنه يحكم على بلدان المنطقة العربية بأن تعيد إنتاج أزماتها في كل مرة، ويرغمها على دفع تكلفة تركته السياسية الثقيلة، بل يساهم في إعاقتها.

كان المفكر المصري الراحل أنور عبدالملك يطلق على المخلفات السياسية للغرب في العالم العربي ـ الإسلامي تسمية “فائض القيمة التاريخي”، مستعيرا التعبير الماركسي في توصيف وضعية التأخر والتأزم التي يعيشها العرب والمسلمون، من جراء تلك المخلفات، على أساس أن المنطقة العربية لم تسترجع تلك القيمة منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية.

يتطلب القضاء على الإرهاب والتطرف اليوم سياسات تشاركية تأخذ بعين الاعتبار تغيير المواقف التقليدية

وهو توصيف لا يزال مفيدا في رؤية التحولات التي تمر بها المنطقة العربية اليوم، وينعكس على منهجية التعامل الغربي والأوروبي مع ظاهرة التطرف والإرهاب التي تضرب المنطقة، بحيث حولتها إلى جزر صغيرة تعوم في بحر من الجماعات المتطرفة والمسلحة التي باتت تهدد الأخضر واليابس، حتى أصبح الاستقرار هو الاستثناء.

ذلك أن السياسات الغربية تحولت إلى عنصر مغذ للعنف داخل المجتمعات العربية، وساهمت في تعزيز وإحياء مختلف المفاهيم الفقهية التي كانت معطلة لزمن طويل، منذ أن تم إنشاؤها في فترات المواجهة بين المسلمين والإفرنج في القرون الماضية نتيجة الظروف التي كانت قائمة وقتذاك، بحيث عملت جماعات التشدد على سحب تلك المفاهيم على المرحلة المعاصرة، نتيجة تلك السياسات الغربية التي ظلت تتعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها قابلة في كل مرة للتأجيل، والتغطية على الحلول بالأساليب الدبلوماسية التي كشفت ـ مع مر العقود ـ أنها ليست سوى مراهم لإسكات الألم إلى حين.

بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 تعهدت الإدارة الأميركية، في عهد جورج بوش، بحل المشكلة الفلسطينية، وأثير نقاش واسع في الدوائر الغربية حول أزمات المنطقة العربية وضرورة تغيير أسلوب التعامل معها، وأهمية إنهاء المشكلات القائمة في منطقة الشرق الأوسط.

إسرائيل سعت إلى استثمار الأوضاع ورخاوة المواقف الغربية من أجل المزيد من التنكيل بالفلسطينيين، مطمئنة إلى الدعم أو السكوت الغربي

بيد أن السنوات التالية أظهرت أن الإدارة الأميركية عاجزة عن إدخال تعديلات على رؤيتها إلى المنطقة، بمثل ما أظهرت منظمة الأمم المتحدة عدم قدرتها على إرغام إسرائيل على احترام المواثيق الدولية التي وقعت عليها مع الجانب الفلسطيني، وتمكين الشعب الفلسطيني من دولة مستقلة يعيش فيها بكرامة.

ويمكن القول بأن إسرائيل سعت إلى استثمار الأوضاع ورخاوة المواقف الغربية من أجل المزيد من التنكيل بالفلسطينيين، مطمئنة إلى الدعم أو السكوت الغربي، حسب الحالات؛ بل الأكثر من ذلك أنها حاولت توظيف ورقة الإرهاب من أجل إقناع الغرب بسلوكاتها تجاه الفلسطينيين.

يتطلب القضاء على الإرهاب والتطرف اليوم سياسات تشاركية بالنسبة إلى البلدان الغربية وأوروبا، تأخذ بعين الاعتبار ضرورة تغيير المواقف الغربية التقليدية إزاء قضايا المنطقة ومشكلاتها، والأخذ بعين الاعتبار وجهات نظر البلدان العربية إلى هذه القضايا.

فإذا كان التطرف الديني ناتجا عن تصورات خاطئة عن الإسلام، وعن انحراف في الثقافة الدينية، ويقتضي مواجهته ـ من هذه الناحية ـ بإجراء إصلاحات دينية وتشذيب المناهج التربوية من مفاهيم العنف والتكفير، فإنه أيضا نتيجة سياسات غربية عمياء وأنانية تمنح المتطرفين مشروعية ما ينادون به، لكي يعلنوا الكراهية والحقد في وجه الجميع، بينما تظل المنطقة العربية هي الطرف الذي يدفع ثمن العنف الأعمى الناتج عن السياسات العمياء.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر