الجمعة 31 مارس/اذار 2017، العدد: 10588

الجمعة 31 مارس/اذار 2017، العدد: 10588

مهرجانات الإسكندرية السينمائي.. 31 دورة لا تعلم الشطار

  • في عام 1997 ترأس محمود أمين العالم لجنة تحكيم المهرجان القومي الثالث للسينما المصرية. كانت لجنة التحكيم تضم كلا من أنسي أبوسيف، داود عبدالسيد، رؤوف توفيق، سميرة أحمد، عبداللطيف فهمي، عمار الشريعي، عزت العلايلي، كمال أبوالعلا، أسماء ذات مستوى وقيمة فنية عالية. ويعي هؤلاء جيدا أن أعضاء لجنة تحكيم أي مهرجان كالقضاة، ليس لهم أن ينتقدوا الأفلام موضع التحكيم، بل عليهم مؤقتا التزام الصمت الجميل، حتى إعلان الجوائز، وعندها لهم أن يعلنوا من التوصيات ما يشاءون، وأن ينتقدوا من وما يريدون. هكذا فعل أمين العالم مع أفلام اعتبرها تليق بالمهرجان كفيلم "القبطان" لسيد سعيد، وأخرى "سيّئة" تنتمي إلى السينما التجارية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/11/23، العدد: 10106، ص(15)]

الدورة 31 من مهرجان الإسكندرية السينمائي جاءت باسم الفنان المصري محمود ياسين

لم أسأل الأستاذ محمود أمين العالم، وهو رئيس لجنة تحكيم المهرجان القومي الثالث للسينما المصرية، عن رأيه في أفلام تجارية تشارك في المسابقة، ولكنه كان يرى علامة استفهامي الصامتة، وكنا قد خرجنا من سينما "ميامي" إلى الهواء الطلق، في شارع طلعت حرب، ولكنه اكتفى بابتسامة خجولة، وهذا ما لم تتمتع به ممثلة مصرية في لجنة تحكيم المسابقة الرسمية لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، في دورته الحادية والثلاثين، فبانتهاء عرض الفيلم المغربي "جوق العميين" لمحمد مفتكر، وقبل إضاءة أنوار القاعة، أطلقت زفرة عنيفة "أوف، عايزة مُسكّن"، لعله يشرح صدرها الضائق بالفيلم.

من حق أيّ مشاهد، عضوا في لجنة التحكيم أو عابر سبيل، أن يعجب بعمل فني أو يرفضه، ولكن المحكم قاض عليه أن يتحكم في أعصابه، وألا يطلب مسكنا، بصوت عال هكذا على الملأ، فيوحي لغيره برأي سابق لأوانه. ولم تجد لجنة تحكيم مهرجان الإسكندرية السينمائي -وقد ترأستها ممثلة مصرية صديقة للممثلة العضو التي أطلقت زفرة عميقة وطلبت مسكنا- في "جوق العميين" ما يستحق لو مجرّد تنويه، في حين نال الفيلم نفسه الجائزة الكبرى من مهرجان وهران، يونيو 2015، وكان رئيس اللجنة إبراهيم العريس. ربما لا تعرف الممثلتان -الرئيسة وصديقتها العضة- إبراهيم العريس، ولا تتابعان مقالاته، في السينما والأوبرا والموسيقى والفلسفة والتاريخ والمسرح والرواية، ولا أظنهما قرأتا كتابه "يوسف شاهين: نظرة الطفل وقبضة المتمرد"، رغم صدوره في القاهرة سنة 2009، وهو كتاب يحتاج إلى جهد من أولي العزم.

جوق العميين

مؤلف فيلم "جوق العميين" ومخرجه محمد مفتكر، فنان مثقف، لم يحضر حفل الاختتام، بعد أن أساءت اللجنة إلى فيلمه، ولم تفهمه، واكتفت بمنح شهادة تقدير إلى الطفل إلياس الجيهاني. وبعد أحد عشر يوما نال "جوق العميين" جائزة أفضل فيلم من جائزة عثمان سمبين في الدورة الثامنة عشرة لمهرجان الفيلم الأفريقي بخريبكة، وفاز مفتكر بجائزة أفضل سيناريو، والجيهاني الصبي بتنويه خاص.

في مهرجان الإسكندرية شيء ما، يسري من عام إلى آخر، لا يدعو إلى الاطمئنان للرهان على أمل الأفضل في قادم الدورات

يتخذ الفيلم من مغامرة فرقة موسيقية شعبية، يضطر أفرادها للتظاهر بالعمى لإحياء حفلات خاصة بنساء عائلات محافظة، ويسرد العمل فترة الغضب المكتوم في البلاد، خلال السبعينات، حين كانت الأفكار سريّة تتفاعل في ما بينها، قبل أن تثمر تغييرا جرى في فترة لاحقة.

ولكن "العميين" كانوا عن قصد فاقدين للحد الأدنى من الوعي البصري والتشكيلي والجمالي الكافي لقراءة الصورة، وكأنهم لا يعرفون شيئا عن مهنة التمثيل، وصناعة السينما، حتى أن رئيسة لجنة التحكيم بمهرجان الإسكندرية، وخبرتها تزيد على ثلاثة عقود، اعتبرت تمثيلهم صراخا أمام الكاميرا.

لعنة الكاتالوج

في مهرجان الإسكندرية شيء ما، يسري من عام إلى آخر، لا يدعو إلى الاطمئنان للرهان على أمل الأفضل في قادم الدورات، فإحدى وثلاثين دورة للمهرجان لم تضمن له صرامة في التنظيم، وهو أبرز عنصر يمنح المصداقية والجدية لأي مهرجان.

ففي اليوم الأول تم تغيير جدول العروض، واستبدلت أفلام بأخرى، وتوالى الارتباك، فدليل المهرجان "الكتالوج"، الذي يعتبر عنوان المهرجان والمدخل إليه، قد خلا من أي ذكر للفيلم الجزائري "آخر كلام" الفائز بالجائزة الأولى في مسابقة الفيلم العربي الوثائقي الطويل، على الرغم من حضور مخرجه محمد زاوي عضوا في لجنة تحكيم مسابقة الأفلام العربية الوثائقية والروائية القصيرة. لكن الزاوي نسي حكاية الكتالوح، وفرح بالجائزة عن فيلمه الذي كتبه وأنتجه وأخرجه عن الطاهر وطار.

كما شملت "لعنة الكاتالوج" أيضا الفيلم الجزائري "البئر"، فلم لم يدرج اسمه؟ لكن الفيلم توّج بأربع جوائز في "مسابقة الفيلم العربي الروائي الطويل": أفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل ممثلة لنادية قاسي وأفضل سيناريو لمحمد ياسين بن الحاج. فقد "نجح الفيلم"، كما حكى مخرجه بوشوشي بتأثر بالغ عقب تسلم كل جائزة، وضرب بذلك مثلا على قدرة الفنان الحقيقي على أن يصنع فنا صادقا بأقل التكاليف، دون انتظار أو لجوء إلى أي مؤسسة أجنبية مانحة، تفرض شروطا، أو تبدي ملاحظات على السيناريو قبل التصوير.

تكريم السينما السورية وإهداء درع المهرجان لكل من المخرج باسل الخطيب ودريد لحام وسلاف فواخرجي

في المهرجانات تبطل قاعدة "الكثرة تغلب الشجاعة"، يكفي خمسون فيلما جيدا تستحق المشاهدة، وعناء الهجرة إليها، لإقامة مهرجان جاد، أما الاستهانة بالكيف، والمباهاة بأكبر عدد من الأفلام المشاركة، فلا يجدي ذلك بشيء. وقد قال رئيس المهرجان الأمير أباظة إن المهرجان يضم 300 فيلم، وفي البيانات الرسمية 200 فيلم، لا يهم العدد فعلا، فالأهم هو أن يكون لدى إدارة المهرجان الإرادة والقدرة على الانتقاء، حتى لو عقد المهرجان دون فيلم مصري، بدلا من فيلم خفيف، عنوانه "سعيكم مشكور يا برو"، يقال إنه كوميدي، وكتب مخرجه عادل أديب أنه "مصّره"، يعني اقتبسه من فيلم "موت في جنازة"، وإن كان الأصل يخلو بالطبع من نداء "يا برو".

ربما يسعى الجمهور إلى مشاهدة "سعيكم مشكور يا برو" أو من غير "برو"، ولكنه لن يهتم أو يتذكر حصول هذا الفيلم على "تنويه" في مسابقة الفيلم العربي بمهرجان الإسكندرية، أو أن الفيلم نفسه شارك في المسابقة الرسمية لدول البحر المتوسط، وقيل إن لجنة المسابقة الرسمية استبعدته بحجة أنه غير مترجم، وهي حيلة ذكية لتفادي الإساءة إلى السينما المصرية، بالإيحاء إلى المحكمين الأجانب بأن هذا هو ما بلغته السينما المصرية، بعد أفلام نافست في مهرجــانات دولية قبل أكثر من ستين عاما.

فأن يخلو مهرجان في مصر من أفلام مصرية، أفضل من اختيار أي فيلم متاح، فإما أن تشارك أفلام جديرة بالمشاركة والمنافسة، وإما الاكتفاء بشرف التنظيم الجاد، كما تفعل دول الخليج إذ تنجح في تنظيم مهرجانات جادة لا تشارك فيها أفلام محلية، دون أن يسبب ذلك حرجا لها. الحرج ألا يمتلك مهرجان الإسكندرية، أو غير الإسكندرية، شجاعة للإعلان عن خلوّ المسابقة الرسمية من فيلم مصري، إضافة إلى الإصرار على عادة وجود نجم أو نجمة على قمة لجنة التحكيم.

بقي من المهرجان إصداراته عن المكرمين، في مقدمتهم محمود ياسين الذي حملت الدورة اسمه، وصلاح أبوسيف وعمر الشريف وفاتن حمامة. وأعلن المهرجان أنه سيكرم صبري موسى، وحدد أسماء المشاركين في ندوة عنه، ولكن الندوة عقدت عن الفنان الراحل سامي العدل.

تستطيع إدارة أي مهرجان التنصل من سوء الجوائز، وتجادل بأن الأمر يخص ذائقة لجنة التحكيم، وهذه كلمة حق يراد بها باطل، مثل تلخيص الديمقراطية في صناديق الاقتراع، وإهمال السياق العام الذي يسبق الاقتراع. فلا يمكن تحديد الجوائز باختيار لجنة تخلو من النقاد المحترفين، والاكتفاء بممثلين غير مؤهلين للحكم على الأفلام، بينما هم لا يستوعبون اللغة البصرية، ويصيبهم فيلم غير تقليدي بارتفاع في ضغط الدم، في غياب "مُسكّن".

السينما المصرية بلغت مستوى هزيلا جدا بعد أفلام نافست في مهرجانات دولية قبل أكثر من ستين عاما

الجوائز والتوصيات

أما عن جوائز المهرجان فقد فاز الفيلم الألباني "أقسمت أن تكون عذراء" بثلاث جوائز: جائزة أفضل فيلم، وتسلمتها مخرجته لاورا بيسبوري، وجائزة نجيب محفوظ لأفضل سيناريو لكاتبة السيناريو فرانشيسكا مانيري، وجائزة فاتن حمامة لأفضل ممثلة لبطلة الفيلم ألبا روارشر، مناصفة مع نورا يوسف بطلة الفيلم السوري "الرابعة بتوقيت الفردوس" لمحمد عبدالعزيز الذي منحته لجنة التحكيم جائزتها الخاصة.

أما جائزة يوسف شاهين لأفضل إخراج فنالها المخرج كيروس باسافاسيليو، من قبرص، عن فيلم "انطباعات رجل غارق"، وفاز بجائزة كمال الملاخ لأفضل مخرج عمل أول خليل المزين عن الفيلم الفلسطيني "سارة"، أما جائزة أفضل إنجاز فني فحصل عليها المخرج اليوناني بيتروس سيفاستيكوجلو عن فيلمه "إلكترا". كما فاز ماركو مانديتش بطل فيلم "الجحيم" وهو إنتاج سلوفيني ـ كرواتي بجائزة عمر الشريف لأفضل ممثل.

ولكن فقد وقع سهو، أقرب إلى تزوير الحقيقة، في بيان رسمي أرسل عقب الحفل، جاء فيه أن الألبانية فلونيا كوديلي فازت بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم "أقسمت أن تكون عذراء". ولكن منطوق الحكم يقول إن الفائزة بالجائزة عن دورها في هذا الفيلم هي الإيطالية ألبا روارشر، ولكن فلونيا كوديلي -عضو لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة لدول البحر المتوسط- تسلمت الجائزة. ولا يستوي من فاز بمن تسلم بالإنابة.

وفي مسابقة الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة لدول البحر المتوسط فاز الفيلم التونسي "فتزوج روميو جولييت" لهند بوجمعة بجائزة أفضل عمل روائي، وفاز الفيلم المصري "حياة طاهرة" بجائزة أفضل عمل وثائقي، أما جائزة لجنة التحكيم الخاصة فذهبت إلى الفيلم اللبناني "بانج بانج" للمخرج سيريل باسيل.

أفلام تجارية تشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان

وقبل الإعلان عن جوائز "مسابقة نور الشريف للفيلم العربي الروائي الطويل"، التي ينظمها المهرجان للمرة الأولى، صعدت بوسي إلى المسرح وسط تصفيق الحضور، وتسلمت درع المهرجان تكريما للشريف، ثم وزعت الجوائز التي حصد فيلم "البئر" أبرزها، ومنحت لجنة التحكيم جائزتها الخاصة إلى الفيلم المغربي "نصف سماء" لعبدالقادر لقطع، أما جائزة أفضل إنجاز فني فنالها الفيلم الفلسطيني "المريخ عند شروق الشمس" للأميركية من أصل لبناني جيسيكا هابي، كما فاز بطله الفلسطيني علي سليمان بجائزة أفضل ممثل. ومنحت لجنة التحكيم تنويها لفيلم "سعيكم مشكور يا برو"، وما شاء الله كان!

وتقاسم جائزة أفضل عمل أول الفيلم العراقي "صمت الراعي" لرعد مشتت، والسوري "رسائل الكرز" من إخراج سلاف فواخرجي، رغم تواضع مستواه، ولكن اللجنة شاءت. ومن المفارقات أن بعض توصيات اللجنة أفضل من جوائزها. فقد أوصت بتنظيم أسابيع للأفلام في العالم العربي، لكي يعتاد الجمهور في كل بلد على لهجات البلدان الأخرى. خطوة مهمة تنسف التعالي الزائف، والادّعاء بأن لهجة ما أكثر وضوحا من لهجة أخرى، فلا بد أن تكون اللهجة صعبة مستعصية إذا سمعها المشاهد للمرة الأولى.

كما انتقدت اللجنة، بشكل غير مباشر، إدارة المهرجان، إذ صنفت أفلاما وثائقية مثل "ترويقة في بيروت" كعمل روائي، والفيلم شخصي جدا، عن ظلم فرح زين الهاشم، التي قامت بالتأليف والإنتاج والتصوير والمونتاج والتمثيل والإخراج، ولكنها قالت بثقة وجسارة عقب العرض إنها قدمت عملا مختلفا. وهذا ربما بداية غير مبشرة، تخلو من الشك والقلق المحرض على التجديد. سنرى في قادم الأفلام.

في مسابقة الفيلم العربي الوثائقي الطويل فاز بالجائزة الأولى فيلم "آخر كلام" للجزائري محمد زاوي، ونال الفيلم الإماراتي "صوت البحر" لنجوم الغانم جائزة لجنة التحكيم برئاسة المخرج اللبناني صبحي سيف الدين الذي أشاد بدور مصر "إذا ابتسمت مصر ابتسم العالم العربي"، ومنحت لجنة التحكيم شهادة تقدير للفيلم الأردني "المجلس" من إخراج يحيى العبدالله.

وفي مسابقة الأفلام العربية الروائية والوثائقية القصيرة فاز الفيلم التونسي "ارجع للسطر" لبلال بالي بجائزة أفضل عمل روائي، وفاز الفيلم التونسي "شوف" لإيمان دليل بجائزة أفضل عمل قصير، وفاز الفيلم العراقي "لا يوجد قتلى" لمحمود شاكر بجائزة لجنة التحكيم الخاصة التي نوهت بالفيلم الكويتي "الإمام" لعامر زهير.

وقبل توزيع الجوائز أعلن المهرجان، بحضور رئيسه الأمير أباظة ومحافظ الإسكندرية هاني المسيري، "تكريم السينما السورية"، ودعي إلى الصعود ثلاثة: المخرج باسل الخطيب الذي شارك فيلمه "الأم" في المسابقة الرسمية، ودريد لحام وسلاف فواخرجي، وأهدي درع المهرجان إلى كل منهم. تعميم ينفي وجود سينما سورية في المنفى، في شتات الجهات الأربع، وينال مبدعوها جوائز في مهرجانات دولية، ولكن مهرجان الإسكندرية اكتفى بمن اختارهم ممثلين للسينما السورية، وعلى رأسهم محمد الأحمد المدير العام للمؤسسة العامة للسينما.

(باتفاق خاص مع مجلة "المجلة" المصرية)

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر