الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الرواية والتجديد

هناك روائيون يعيشون نوعا من القلق الإبداعي، يظهر في سعيهم إلى تجريب أساليب وأشكال مختلفة من الكتابة السردية، كما هو حال الروائي نجيب محفوظ.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/11/24، العدد: 10107، ص(15)]

لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية التجربة الروائية للكاتب السوري حنا مينة، صاحب روايات الثلج يأتي من النافذة، والمصابيح الزرق، والياطر، وحكاية بحار، فقد كان أحد أعلام الرواية الواقعية العربية، لكن لا أحد من المعجبين بتجربته يتذكر الآن اسم آخر عمل من أعماله التي صدرت في السنوات الأخيرة. هذه المفارقة تطرح قضية أخرى تتعلق بعلاقة الإبداع بالزمن، وقدرة التجربة الأدبية على التطور، والتجديد بحكم تراكم الخبرة ونزعة البحث والتجريب.

بقي حنا مينة وفيا للاتجاه الواقعي متأثرا بالواقعية الاشتراكية حتى آخر أعماله، مما أوقعه في التكرار، وجعل تجربته تسير في خط أفقي لا تفارقه، في وقت شهدت فيه الرواية العربية طوال العقود الماضية ظهور تجارب روائية كثيرة، استطاعت أن تتصدر المشهد الروائي العربي، على حساب تجارب جيل الرواد. رغم هذا التحدّي لم يحاول مينة أن يخوض مغامرة التجريب والبحث عن أشكال جديدة من الكتابة السردية، تنضاف إلى رصيده الروائي، وتبرر مشروعية حضوره جماليا.

لقد ركن مينة إلى ميراثه السابق، واعتقد أن هذا الميراث يمكن أن يكون كافيا للحفاظ على انتشاره، ولإقبال القارئ على ما يكتبه من أعمال جديدة، لكن هذا الاعتقاد لم يكن مصيبا، لأن هناك قارئا جديدا له مزاجه واهتماماته وحساسيته المختلفة، وكان يفترض بالكاتب أن ينصت لصوت الحياة المتجدد من حوله، ولرغبات هذا القارئ الجديد.

هناك روائيون يعيشون نوعا من القلق الإبداعي، يظهر في سعيهم إلى تجريب أساليب وأشكال مختلفة من الكتابة السردية، كما هو حال الروائي نجيب محفوظ، الذي كتب الرواية الواقعية، التي كانت ثلاثيته تتويجا لها، كما كتب رواية الأصوات والرواية البوليسية والرواية التاريخية، والرواية الوجودية، على خلاف ما فعله مينة الذي لم يغادر شكل الكتابة الواقعية حتى آخر أعماله.

يكمن الفارق بين التجربتين في الخلفية الأيديولوجية، التي تركت تأثيرها الواضح على الوعي الجمالي والفكري عند مينة، على خلاف الروائي محفوظ ، الذي دفعته نزعة البحث والتجريب إلى أن يكون حرا في اختياراته، وهنا يبرز ثراء التجربة وتنوعها عنده.

قد يذهب البعض إلى القول بأن القضية تتعلق بعلاقة التجربة بالزمن، لأن التجربة تشيخ مع صاحبها، والتجديد يحتاج إلى حيوية في الفكر والإبداع يتعذر توفرهما مع التقدم في العمر. رغم صحة هذا القول، إلا أنه لا يكفي لتفسير هذه الظاهرة، خاصة عندما يتوقف الكاتب في مرحلة شبابه عند أسلوب محدد لا يغادره، ولا يحاول كسر حوافه، للانفتاح على تقنيات وأساليب جديدة، تسمح بتطور التجربة، والتدليل على حيويتها، لكي لا تشيخ التجربة قبل صاحبها.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر