السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

إيقاف المهزلة السورية وترويض النهايات

ينبغي أن تختلف رؤية المعارضة السورية، خطابا وفعلا، وتضع مصير سوريا والشعب السوري فوق مصير زائل لحاكم، وفوق جنون ملفات الإرهاب، وردود أفعال الدول ومصالحها وغضبها ورضاها.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/11/24، العدد: 10107، ص(9)]

متابعة برنامج واقع الإرهاب ونسخته السورية بالتحديد، لم تعد مقتصرة على مشاهدة حلقاته المثيرة، بل تعدتها إلى زج المتفرجين في أحداثه، ليمتد إلى المدن البعيدة جغرافيا بما يشبه مخرجات الواقع الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي.

ينفتح الخيال بالإنتاج الواسع لتنمية الإرهاب في تعدد الشركات المساهمة والمتبرعة الفاعلة حتى دون مقابل، بالاستحواذ على أكبر نسبة مهتمين، خاصة في الأسابيع الأخيرة وحلقات إسقاط الطائرة المدنية الروسية، ثم انتقال الكاميرات من سيناء وشرم الشيخ إلى ملعب باريس لكرة القدم ومسرح باتاكلان وما جرى في شارع فونتان وبعدها اقتحام الشقة في ضاحية سان دوني إلى نقلة وقطع سريع لاحتجاز الرهائن في فندق راديسون في عاصمة مالي، باماكو، ومشاهد في لبنان ومداخلات أمنية وتحذيرات وترقب في بلجيكا وألمانيا ودول أخرى.

تسارع في إيقاع الحبكة السورية التي لم ينتبه لها أحد في حلقاتها الأولى، لأنها كانت ضمن محليتها وإقليمها القريب، رغم القنوات الفضائية الناقلة، ساعد ذلك في استثمار غموض الخنادق اللاحقة لعدم متابعة تفاصيل البداية، فعندما يقول أحدنا إن النظام السوري المنتج الأول للعنف والإرهاب، يتصدى آخرون بالقول كيف والعالم كله يتابع المسلسل وما وصل إليه من حرب عالمية على الإرهاب الواضح المعالم بالممثلين المعروفين بماكياجهم وأزيائهم وأفعالهم الموثقة.

الجواب يكمن في حقيقة عارية مفادها، بقاء الرئيس في الحكم، مصير الرئيس في مستقبل سوريا، النزاع العالمي حول دور الرئيس في المرحلة القادمة، القضاء على الإرهاب أولاً ثم مناقشة موضوع الرئيس، فشل المفاوضات المتكررة في جنيف وغيرها، لأن رئيس النظام خط أحمر، الشركة الروسية الداعمة للنظام ورفضها المساومة أو القبول بأي حل أو ضغوط دولية لإزاحة رمز النظام الذي لعب لسنوات دور المبيد لشعب سوريا.

الخط الأخير للإبقاء على النظام هو الاحتماء خلف متاريس الجماعات الإرهابية التي وسعت عملياتها وضربت في أماكن مختلفة وبإمكانيات غير مسبوقة، تركت قضية بقاء الحاكم في خلفيات الاهتمام الدولي، وهذا ما سيدفع من أجله العالم والشعب السوري في المقدمة منه، أفدح الأثمان.

من فكرة اللامبالاة وتعاطي القوة المهيمنة معها وتباين المواقف، تَضَخَمَ الإرهاب وأفرز وحشاً أسطورياً، لا يمكن أبداً مواجهته فقط بالضربات الجوية والخطب الغاضبة أو بالتحليلات السياسية من قادة دول يماطلون بالحل، لصالح أسباب مسبقة لا تراعي هول الكارثة الإنسانية ونتائجها الشاملة.

عبارة “الوقاية خير من العلاج” هل يعقل أنها فاتت عقول مخططة يستنار برأيها في معالجة احتمال حدوث الأزمات أو بداية ظهور أعراض الأمراض في أي بقعة من الأرض، الذي تحول في زمن عولمة الاتصالات والاقتصاد إلى مساحة مفتوحة لتواصلٍ مُختلِف، لا يتعلق بالمعلومات أو العلاقات الاجتماعية أو المصرفية، إنما إلى تواصل في إدارة شبكات الموت واستخدام الألعاب الإلكترونية في التخطيط للهجمات والتجنيد للعنف.

وسائل الميديا، تحولت إلى تواصل وانتشار في وسائل الإرهاب، وكما فعلت الدول في تطوير أنشطة تجسسها الإلكترونية، تحصد اليوم نتاج تطور عقولها وسباقها في الكشف المبكر عن نشاطات ومجريات السياسة والاقتصاد للدول الأخرى، إلى حد التنصت على المكالمات الشخصية أو الرسائل الخاصة لكبار قادة العالم، بدلاً عن التعاون وتبادل المصالح المشتركة والوقوف على خدمة الأمن والسلم.

محيطنا العربي، الفرجة لم تعد من خصاله، فهو في قلب العاصفة، ومصير حاضره وغده في العودة إلى حاضنته الأم، وتوحيد جهود عقول مفكريه لعدم الانزياح مع مختصرات الصراع الغبي للطائفية المذهبية وانحسار الرشد في تكرار هفواتنا التاريخية الكبرى، والذهاب إلى تدشين واقع جديد يشدد على قيمة الأجيال الجديدة في خوض غمار أشرف المعارك لتغيير مسار الواقع السياسي القديم المتهالك بدعم الإصلاحات الجذرية في أنظمة الحكم، وتسويق مفردات حق الحياة والحرية وضمان الكرامة للإنسان ورعاية الطفولة وتحرير المرأة والخروج إلى العالم بمراجعة أسباب تراجعنا وتخلفنا وأين نحن من التنمية الحضارية.

ما يتكون من إرهاب واندلاع الحماقات، لا يوفر للمجتمعات إلا القناعة باستنساخ مقولة “الفرد يمثل العالم” وبسقوط أحدهم في العنف أو الجريمة أو الانكفاء في مجموعات صغيرة، فإن ذلك مدعاة إلى مراجعة لسلوك الدول وتصوراتها عن حدود مستقلة آمنة وسيادة وطنية تكلف المليارات من اقتصادها، ثم تفاجأ بالخروقات وموت الأبرياء.

اختلفت اهتمامات العالم بالنسخة السورية لبرنامج الإرهاب، ومعه ينبغي أن تختلف رؤية المعارضة السورية، خطابا وفعلا، وتضع مصير سوريا فوق مصير زائل لحاكم، وفوق جنون ملفات الإرهاب، وردود أفعال الدول ومصالحها وغضبها ورضاها. اذهبوا إلى حيث لا يمكن الذهاب وتجاوزوا أنفسكم، اذهبوا إلى إيقاف المهزلة لانتزاع وطن، وهذا ما ندعوه ترويض النهايات.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر