الاربعاء 18 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10516

الاربعاء 18 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10516

جنون

جدلية العبث والانتقام يمكن أن تكون تفسيرا اليوم لرغبة تعميم الشر وعولمته واقتراح دولة له تضم جماعات النزعة الأولى لعقاب البشرية أو لعزلها في أفق استعبادها.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2015/11/25، العدد: 10108، ص(15)]

حين كتبت حنا أراندت كتابها عن “إيخمان في القدس” كانت تسعى إلى تبيئة مفهوم “تفاهة الشر” في المجال الإنساني المعاصر، بما هو تجاوز غير مفهوم في السياسة والأخلاق والعقيدة، كان في اعتقادها أن إرادة الأذى زيغ ملتبس، لا تفسره صولة الانتقام ولا التسلط، ولم ينْأ عن فهمها أن الشر سقم مقيم يتجاوز المحرقة اليهودية، إلى كل اقتراحات الموت الغفير، حين يتراكم بصفات وأشكال مرعبة دون مبرر ولا دليل، لهذا اعتُبرت أطروحتها لمدة غير يسيرة سندا لمحاولات فهم الوحشية الأسطورية الفجائية وغير الأصلية للمجتمعات.

لكن المفهوم الدال على التوحش الإنساني وعلى انعدام المبرر في الأذى، والعبثية في التعذيب والقتل، كان شاملا للانحراف البشري تاريخيا إلى تخفيف العالم من تخمة الأصول والهويات، ذاك كان ديدن الحروب الدينية والطائفية والعرقية من حرب طروادة إلى الحرب العالمية الثانية، وفي محاكمة إيخمان كان انعدام الفهم والحافز صادما، لكن العقاب أيضا كان بدون أفق، إذ كيف يمكن عقاب شخص واحد إزاء جرائم تهم مجتمعا، أو دولا أو البشرية جمعاء؟

في تاريخ البشرية كان الإعدام بدون مبررات أخلاقية أو سياسية أو عقدية في محطات عديدة، لهذا سيطر العبث في العقاب، وهو ما جعل ميشيل فوكو يكتب “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، مؤرخا للعسف والإقصاء والتهميش للمصابين بالجذام والأمراض التناسلية والصرع والطاعون ممن كان عزلهم حلا ونفيهم وإرسالهم للمهالك في سفن لا تعرف شطآنا، حلا لمصيبة البشرية.

جدلية العبث والانتقام يمكن أن تكون تفسيرا اليوم لرغبة تعميم الشر، وعولمته، واقتراح دولة له تضم جماعات النزعة الأولى لعقاب البشرية أو لعزلها في أفق استعبادها، تلك التي تشبه “سفينة الحمقى” التي تكلم عنها ميشيل فوكو، أو “البلداء” الذين تحدثت عنهم “حنا أراندت”، ويمكن أن تكون مجازا بالغ الدلالة في اختزال ما جرى، هجرة غير شرعية أفضت بموتورين إلى شاطئ، لم يكن لهم فيه ضفة نجاة، ولا بداية حياة، وإنما استرسالا في شهوة الموت.

قبل انفجارات باريس، كتب بوعلام صنصال والطاهر بن جلون وياسمينة خضرة وغيرهم عن مجتمعات الـ”هناك” التي تنتمي لـ”هنا”، تلك التي تعيش في معزل وتتلقى سفن المعزولين والحمقى، وتجتبي الجنون بكل أشكاله، كانت كتابتهم مطروحة لقارئ ملتبس توغل الصحافة في إهالة الغموض عليه، كان القارئ شأنا إعلاميا لا ينتمي لا لمجتمع العدالة ولا للحرية ولا للمساواة، هلاما يكثف اللغز القائم في تفسير الصدمات، وحين فجر مقر جريدة شارل إيبدو التفت عدد من فرنسيي الجنسية إلى مبدأ العزل و”سفينة الحمقى”، كان الكل فوكوي الأطروحة، ولم يلتفت أحد إلى “حنا أراندت”.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر