السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

لا يوم يشبه سواه

مهما بدت جثة الوقت ثقيلة أحيانا ولبست الدقائق سوادها وعتمتها.. فثمة دائما ما قد يبعث فيها النبض ويبث هواءه النقي في رئاتها فتتفتح مثل وردة برية.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2015/11/25، العدد: 10108، ص(21)]

مهما تشابهت التفاصيل أو تطابقت.. مهما بدت الدقائق والساعات رتيبة روتينية مكررة.. لكن دائما ثمة جديد..

اليوم بتاريخه ودقائقه يختلف.. الشمس تشرق بزاوية ميل جديدة.. وتكون الأرض قد تحركت ودارت والقمر دار حولها.. تتباين الكواكب في دورات أفلاكها لتخلق كونا مغايرا في كل دقيقة.. فلا تعود السماء تشبه نفسها ولا الغيوم ولا المطر.. الخضرة تنمو أو تخبو والحيوات تمتدّ وتكبر أو تضمحل.. تولد مخلوقات وتفنى أخرى.. أحداث جديدة تحدث وأهوال تحل وأفراح تتفجر.. ثمة دائما ما هو جديد جدير بالاكتشاف والمعرفة: معلومة.. طرفة.. كتاب.. لوحة.. أغنية.. قطعة موسيقية.. متعة جديدة.. شباك جديد.. شارع جديد.. مكان جديد.. إنسان جديد..

الأرض التي نقف عليها وهي تدور توشوشنا بأن لا شيء يشبه نفسه.. ولا شيء يبقى على ما هو عليه.. كل ما حولنا يتغير مهما بدا شعورنا روتينيا ومهما بدت السيناريوهات معروفة لدينا.. مهما رسمنا في البال من استباقات فدائما ثمة مفاجأة تباغت خطواتنا المعتادة.. ودائما ثمة شيء غير متفق عليه وغير محسوب قد يلكّئ أو يربك نسقنا اليومي.. أو قد يذكيه ويلوّنه وينفخ في رماده شيئا من جمر الحياة.. ومهما بدت جثة الوقت ثقيلة أحيانا ولبست الدقائق سوادها وعتمتها.. فثمة ما قد يبعث فيها النبض ويبث هواءه النقي في رئاتها فتتفتح مثل وردة برية..

كل شيء حولنا متغير مهما غفلنا أو نسينا.. ولذا فلا يوم يشبه الذي سبقه أو الذي يليه.. لكل يوم بصمة مميزة مختلفة.. حقيقة لو أدركناها واستوعبنا عمقها لاستطعنا أن نلج حياتنا دائما من أبواب جديدة ولفتحنا شبابيك أخرى لأزمنة قادمة لن تكون معروفة أو مقروءة لدينا..

مشاعرنا لا تشبه نفسها.. ولا البشر الذين من حولنا يشبهون أنفسهم.. ولا الشجر ولا الطرقات.. لا الحي النابض ولا الجماد البارد يبقى على حاله.. وكل ما نحن بحاجة إليه هو أن ندرك هذه الحقيقة وأن نتعامل على أساسها.. فإذا ما نجحنا في خلق تحايلات طفيفة لمرة أو لبرهة وأحسسنا بقيمة ذلك التغيير.. سيمنحنا ذلك قوة وقدرة على تصديق أنفسنا وعلى خلق تفاؤل داخلي سيكون حاضرا فينا رغم كل شيء..

بهذا الوعي نستطيع تطويع أعتى الأزمات الحياتية والنفسية التي قد تثقل وطأتها على دقائق يومنا.. ونستطيع العمل على حياكة “الآن” و”الآتي” بما يكسر النمط أو يغيره.. نستطيع.. إذا أردنا.. وبشيء من ذلك الوعي أن نواجه عوالمنا ببسالة وإقدام المصرّ على الحياة.. وبجرأة الواثق من عزيمته وقدرته على التطور.. والمؤمن بجدوى وبقيمة ومعنى أن يكون على قيد الحياة..

نستطيع مثلا أن نقهر أكبر الأحزان بضحكة من القلب في عالم قد لا يجيد الضحك.. وأن نحب في عالم قاسي القلب أو عديمه.. وأن نرقص على جراحنا مهما بدت عميقة موغلة في وجعها.. نستطيع بالعطاء مثلا أن نتوازن فنضفي على أيامنا تلك البهجة التي نقرأها في عيون الآخرين.. يمكننا أن نحلم وأن نؤمن بأحلامنا فنحياها..

يمكننا بقليل من التفاؤل أن نرمي بحجرة صغيرة نحرك بها بركة الأيام التي قد تبدو متشابهة وهي لا تشبه إلا تصوراتنا..

صباحكم تجدد..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر