الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

يحدث ذلك في المقاهي

ظاهرة خضوع العقل العربي للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والتي باتت حالة إدمان لا توجد لدى أي شعب آخر، تحتاج إلى دراسة عميقة، خصوصا وأنها مرتبطة تماما بظاهرة الإرهاب العملي.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2015/11/25، العدد: 10108، ص(24)]

من يدخل أي مقهى بأي بلد من بلدان وطننا العربي الكبير من محيطه الثائر إلى خليجه الهادر، سيجد نفسه أمام كائنات بشرية مستغرقة في التقنيات الحديثة وما بعد الحديثة، فمن الهاتف النقال إلى اللاب توب أو الجهاز اللوحي، ومن تويتر إلى فيسبوك إلى إنستغرام ومن يوتيوب إلى سكايب فالواتساب، إلى العشرات من الخدمات التي تقدمها الإنترنت، حيث كل شيء يباع ويشترى على قارعة الشارع الافتراضي بما في ذلك الإنسان، وكل شيء يُطرح للنقاش، ويجد من يتحدث عنه أو فيه من الرقص مع الشيطان إلى الانتحار بأساليب مبتكرة، ومن أيسر طريقة لصناعة الأحزمة الناسفة إلى الأسلوب الأفضل في إجبار الزوجة على قبول الطلاق والفرار بجلدها دون مؤخر صداق أو نفقة متعة.

من أبرز ما يُلاحظ هنا أن الإنترنت فضاء ديمقراطي جدا، يسمح للغباء والجهل والتطرف والإرهاب بأن يتدخّل بقوة في تشكيل الرأي العام، بل وبإمكان الكذّاب أن يستعرض موهبته عالميا وأن يروّج كذبه بين الملايين، بعد أن كان لا يتجاوز مجلسا صغيرا في الشارع أو المقهى أو السوق المجاورة، وبإمكان المتحيّل أن يتحيّل وهو رافع رأسه، وبإمكان النصّاب أن ينصب وهو في أوج اعتزازه باعتماده في تفجير طاقاته على أحدث تقنيات العصر، وبإمكان الإرهابي أن يخاطب الجميع بمن في ذلك الفرنسيين والأميركان والإنكليز والألمان، وأن يستعمل أجهزتهم الإلكترونية وشبكاتهم العنكبوتية وأقمارهم الاصطناعية في التعريف بمنجزاته الإرهابية، وفي تجنيد الخليّة بعد الخليّة، وتوجيه الرسائل إلى أتباعه، والتخطيط لكل عملية، ثم نشر صورها ورسائل منفذيها وقد خضعت لعمليات المونتاج والميكساج والمعالجة التقنية الهوليودية بأجهزة لا تمتلكها أغلب التليفزيونات الحكومية.

إن ظاهرة خضوع العقل العربي للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والتي باتت حالة إدمان لا توجد لدى أي شعب آخر، تحتاج إلى دراسة عميقة، خصوصا وأنها مرتبطة تماما بظاهرة الإرهاب العملي ومن يتبعونها من إرهابيي التعاطف والتبرير والصمت والدعاء والترويج الإعلامي والتحليل المساند، ومن إرهابيي المقاهي أو المطاعم، وهم بشر عاديون، يدخنون الأرجيلة، ويشربون الشاي والقهوة وعصير البرتقال والحليب الساخن، ويفتحون أجهزتهم، ويتابعون أخبار وصور وتعاليق الإرهابيين، فيضعون عليها علامة الإعجاب، ويدعون لأصحابها بدوام الإرهاب.

وهؤلاء جيوش كاملة، يمكن أن تكون رصيدا استراتيجيا لداعش وغيره، فقد تربوا على ثقافة دينية مستوردة ومعلّبة ومسيّسة دون أي تشكيك في مصادرها أو نقد لمضامينها، ثم هؤلاء دخلوا مرحلة العولمة الفقهية بحيث بات الحديث في الدين متاحا للجميع دون علم أو تخصّص، كما بات طلب الإرهاب ولو في الصين جزءا من مشروع يسيطر على عقولنا المستغرقة في التقنيات الحديثة وما بعد الحديثة، دون أن تكون لنا قدرة السيطرة على محتوياته.

يحدث ذلك في المقاهي… فلا تكتفوا بالبحث عن الإرهابيين في الجبال.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر