الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

هذا العمل لا يعبر عن رأي صاحبه

مسؤولية كبيرة تقع على عاتق كل فنان اختار أن يتعامل مع الأفكار بعيدا عن همّ الاحتفاء بالجمالية البصرية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/11/26، العدد: 10109، ص(16)]

مضى على نشوء الفن المفاهيمي في ألمانيا أكثر من أربعين سنة، وهو لا يزال حتى الآن، وخاصة في المنطقة العربية عرضة لهجومات عنيفة من قبل مناصري الفن الذي يعتمد على الأثر الفني والتركيبة الجمالية، والمهارة الحرفية أكثر من اعتماده على الفكرة المُراد التعبير عنها.

كما اعتبر بعض النقاد أن لجوء فئة من الفنانين، خاصة الشباب منهم إلى تبني هذا النمط من الفن هو مؤشر خطير يكشف عن مؤامرة ضد الهوية العربية والأصالة المشرقية لذلك يجب التصدّي لها.

أهدر الكثير من الكلمات وأثير العديد من النقاشات والدراسات، وقد أفضت في معظمها وربما أكثرها حكمة، إلى نوع من الاستنتاج بأنه لا الفن المفهومي هو تآمر على الهوية، إذ بإمكانه أن يكون من عجينة المجتمع والظروف التي نشأ منها، ولا الفن الذي يرتكز على بناء جماليّ هو النوع الوحيد الذي يصلح لأن يصنّف فنا.

المسألة أصبحت اليوم في مكان آخر، باتت أكثر تعقيدا والتزاما من الفنان الذي اختار أن يسلك طريق الفن المفاهيمي الشائك، خاصة إذا كان فنانا عربيا يعيش في عالم عربي تكاثرت فيه مظاهر العنف وأشكاله ومبرراته.

وهذا الفنان العربي من ناحية لا يستطيع أن “يعوم” بعيدا عن دماء الأفكار المهروقة أو تلك التي هي قيد التكوين، ومن ناحية أخرى لا يمكنه أن يكون ساذجا البتة في التعاطي مع أخطر المواضيع تاريخيا، أي كمثل تلك المرتبطة بالأديان.

ثمة فنانون عرب كثر وقعوا في فخ سذاجة المعالجة في التعاطي مع الأفكار، منهم فنانون بارزون ومصورون برعوا في التصوير الفوتوغرافي من أمثال المصور السوري عمار عبدربه الذي قدم مؤخرا في صالة أيام محاولة مفاهمية فيها الكثير من البراعة التقنية، ولكن حوت أيضا الكثير من الاستهتار من الناحية الفكرية، فجاءت أعماله تشي بسطحية التعاطي مع سيميائية الصورة المُعدلة تقنيا ويدويا، مع العلم أن للمصور باعا طويلا ونجاحا كبيرا في عالم التصوير الصحفي والفني.

ثمة أعمال أخرى تتميز بذكاء المعالجة ودقة التعبير عن الفكرة المرجوّ تقديمها. نذكر منها ما قدمه في معرضه الأخير الفنان اللبناني بسام جعيتاني القادم من عالم الفن التشكيلي بمعناه التقليدي، إن صحّ التعبير.

لم يبن بسام جعيتاني نصه الذي يتناول الجرائم التي ترتكب باسم الله على قراءات فلسفية أو دينية فحسب، بل غاص في مغامرته المحفوفة بالمخاطر إلى عمق الأسماء- الأصل، أسماء الله الحسنى.

تجرّأ وأنجز منحوتات غير مقروءة ومتعرجة، ولكنه جعل انعكاسها صحيحا وجليا على المرايا الصغيرة التي ثبتت على الجدران بالقرب منها، فظهرت ناضحة بكل نقاء روحي، تأكيدا منه على استحالة تأثرها بفظاعات الادّعاءات الكاذبة.

نذكر أيضا على سبيل المثال الفنان اللبناني غسان غزال الذي أدرك خطورة التطرق لمفهوم التضحية في العالم العربي ولمسألة التعايش، التي باتت معانيهما فضفاضة إلى حدّ كبير، فتناول تلك المفاهيم بشكل ترميزي حينا وإيحائي حينا آخر عبر توظيفه الذكي للغة البرايل.

لا يمكن لأي فن مفاهيمي، خاصة إن كان نابعا من محيطه العربي الحالي، أن يكون على أيّ قدر من السذاجة. مسؤولية كبيرة تقع على عاتق كل فنان اختار أن يتعامل مع الأفكار بعيدا عن همّ الاحتفاء بالجمالية البصرية.

الفنان من دون شك لا يريد أن يقف يوما ما، وربما الآن، في وسط معرضه الفني قائلا “هذا النص الفني لا يعبر عن رأي صاحبه”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر