الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

سيزيف العراقي في معرضه البيروتي

  • قيل عن “مخلوق” صادق الفراجي، صاحب العينين اللامعتين، الذي لا يبارح أعماله الفنية ولو لمرة واحدة، إنه يجسد سيزيف حامل الصخرة الشهير، الذي ما انفك يكرر محاولاته العبثية لأن يرفع صخرته إلى قمة الجبل بعد كل مرة تهوي فيها إلى السفح، غير أن المتابع لأعمال الفنان منذ بدايته الفنية أي منذ الثمانينات من القرن الفائت سيكتشف أن ما يهوي فعلا من أعلى القمة هو رأسه، رأس المخلوق الذي سوّدت فصول النكبة العراقية محياه وكامل ملامحه، فما الذي تغير في معرضه البيروتي الأخير المعنون بـ”مسيرا بالعواصف”؟

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/11/26، العدد: 10109، ص(16)]

رسالة ابن الأخ علي توقظ في الفن لوعة التذكر

بيروت - في كل مرة تمكن فيها مخلوق الفنان العراقي صادق الفراجي الأقرب إلى سيزيف أن يحمل بين يديه الغائمتين رأسه الضخم، عاجله الرسام بأهوال التحولات المفاجئة فتدحرج من الأعالي مضرجا بصمت مُطبق.

لم يعد لذلك الصمت المعهود مكان في معرض الفنان الذي أقامه مؤخرا في صالة أيام البيروتية تحت عنوان “مسيرا بالعواصف”، إذ تحول رأس المخلوق الأسود الذي اشتهر برسمه الفنان إلى زورق لصبيّ اسمه علي.

قارب دخاني يتوغل عميقا، وينضح بما فيه من ماء مالح وأحلام مترنحة، واحتمال غرق، غير حاصل لأن الفنان حرص على أن يحشد في معظم رسوماته “ياءات” المناداة المضيئة، مناديا بها صبي حكايته البصرية، علّه يحذر مخاطر الأحلام بالرحيل فينجو.

ياءات نصبها أشرعة تخترق حتمية الغرق كلما انطلقت صفارات الإنذار من قاربه الضئيل. ربما هذه هي الانطباعات البصرية والسمعية التي تتركها أعمال الفنان في نفس زائر المعرض.

قارب الرحيل

ليس الصبي، بطل الرسومات وصبي حكايته البصرية، إلاّ ابن أخيه علي الذي تعرف عليه الفنان للمرة الأولى أثناء زيارة عائلية له ببغداد سنة 2009.

يخبر الفنان أن ابن أخيه كان حينها في الحادية عشرة من عمره وقد قدم له علي عندما حان موعد عودته إلى هولندا، رسالة في مغلف مُغلق، وطلب منه ألّا يفتحه إلاّ عند وصوله إلى مكان إقامته. لدى عودته فتح الفنان المغلف ليعثر على صورة رسمها علي لقارب صغير وبقربه هذه الكلمات المبدوءة بدورها بياء المناجاة: “يا ليت هذا المرسوم يوصلني إليكم.. المشتاق جدا، علي”.

ليس الصبي، بطل الرسومات وصبي حكايته البصرية، إلا ابن أخيه علي الذي تعرف عليه أثناء زيارة عائلية له ببغداد

هكذا اشتعلت مخيلة الفنان وسالت في أعمال فنية وشريط فيديو أنيمايشن صغير يسرد فيه بحساسية وجمالية بالغة قصته الشاملة التي تعلن باختصار عن مشاعر الحنين، والخسارة، ووحشة المنفى، وحرارة الذكرى، والحلم، والخوف، والرغبة المتأرجحة دوما ما بين التوق إلى المغادرة والحاجة الملحّة إلى العودة لبساطة كنف البيت الأول، الذي بناه أبو صادق، ولرحابة الأرض الأولى.

يعلق الفنان على جدران الصالة رسوماته السردية فيجعلها مرصوصة في خانات متلاصقة. رسومات، لا بل يوميات بصرية متخيلة استنبطها الفنان المغترب من رسالة علي القدرية التي أيقظت في نفسه رغبات الرحيل الأولى التي اعترته قبيل خروجه النهائي من العراق.

كما أعادت إليه صورة القارب الذي كان أيضا يحلم به ويتخيله ويتمنى أن يخرجه بعـيدا عن أرض الحروب والأزمات المتواصلة.

حروب اعتبرها الفنان جراحا مفتوحة برع في توصيفها بهذه الكلمات “لم أجد تشبيها للحرب الأميركية على العراق وبقائها فيه إلّا بالطاعون، مع أن الطاعون يقتل البشر فقط، والذي مات في العراق ليس البشر فحسب، بل أيضا الشجر والبيئة والثقافة والحضارة والأماكن وحتى الذاكرة”.

رسومات الفنان مشغولة بالحبر الهندي ورصاص الغرافيت والفحم المحفوف على الورق يرصعها الفراحي بكلمات نصح تارة، ويائسة تارة أخرى موجهة إلى ابن أخيه.

تموج في معظم الرسومات زوابع من كلمات لا ندري إن كانت وظيفتها هي تحريض الصبي على المغادرة أو تخدير رغبته في ذلك، أو لربما هي دفق شعري تمكّن من حفر قنواته خاصة لإسقاطات الفنان النفسية. إنها كلمات كهذه الكلمات “ضع قدمك في قلب الريح يا علي” و”لا أحد يا علي سوى الغيوم وقاربك”، و”انطح القدر يا علي” و”اهجر البيت والأهل يا علي” و”هناك يا علي حيث لا أحد.. قد يخذل القارب صاحبه يا علي فاحذر”.

يوميات بصرية متخيلة استنبطها الفنان المغترب من رسالة علي القدرية التي أيقظت في نفسه رغبات الرحيل الأولى

من المعروف عن الفنان أنه مولع بمزج نصوص أدبية شهيرة وأفكار فلسفية في أعماله الفنية متعددة الأساليب، نذكر منها مقتبسات من مسرحية صامويل بيكيت “في انتظار غودو”، غير أن المخزون الفكري الذي انطلق منه هذه المرة لتشكيل أعماله البصرية هو صدى كلمات علي البسيطة- العميقة، وتداعياتها المؤثرة في نفسه.

رسائل تشكيلية

أعادت كلمات الصبي إلى المبدع بشكل آخر جملة من الأسئلة الوجودية الكلاسيكية، التي طالما هجس بها.

يقول الفنان صادق الفراجي إنها أسئلة لا إجابة عنها، غير أن أعماله في مجملها تنطق بعكس ذلك خاصة إذا ما تذكرنا شخصية عملاقه الطيّع صاحب الدموع السخية الذي اشتهر برسمه، ومنحه أدوارا بطولية في أفلامه القصيرة.

عملاق نطق من خلاله الفنان قائلا “الذي يسأل يكون عاشقا رائعا، لأنه ببساطة سيدرك قيمة الأشياء من حوله ويبتعد عن سفاسف الأمور.. سيهتم بالتفاصيل الجميلة، والصغيرة ستعنيه أكثر”.

لا غرابة في أن تكون شحنة العاطفة، التي تربطه بصبي القارب الذي يذكّره بنفسه على أكثر من صعيد، هي ما أسس لنصه الفني الذي وضعه تحت عنوان “مُسيرا بالعواصف”، وهي الدعة التي دفعته إلى الكتابة في إحدى لوحات المعرض المحورية “علي يا حبيبي، أنت صنعت قاربا يحملك إليّ.. فسرقته أنا ليحملني إليك”.

كم يسهل ويحلو أن نتخيل مخلوق صادق الفراجي، العملاق الودود، وهو يدخل إلى فضاء رسوماته بشكله المعهود ليصدّ بعيدا فكرة العبثية، ويهمس مُطمئنا في أذن صبي الحكاية، إجابة عن كل الأسئلة الوجودية، بهذه الكلمات السحرية “لا شيء هنالك يا صبيّ.. إلاّ الحبّ”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر