الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

تدعيش وتحديث بعيدا عن الحداثة

الحداثة حزمة عقلية تنحاز إلى المستقبل، بعد أن أنجزت فلسفتها قفزة فكرية انتصرت للعقل على النقل، وحررت الفكر الإنساني إلا من سلطة العقل وحقه في الاجتهاد.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/12/01، العدد: 10114، ص(9)]

في كهفه المجهول كان أسامة بن لادن يرتدي زي مقاتل أميركي، ويجلس باطمئنان المؤمن مستندا إلى جدار، وإلى جواره بندقية آلية، روسية الصنع غالبا، وربما كان يوجه “المجاهدين” في الطرف الآخر من العالم، عبر هاتف فنلندي، في تناقض صارخ، يبرر به الجيل الأحدث من الإسلامجية لأنفسهم استخدام آخر منجزات العقل البشري مع تجاهل الفلسفة التي أثمرته.

في اعتقادهم “الديني” أن الله سخر لهم مظاهر “التحديث”، ولا تعنيهم استحالة هذه الثمرة لولا “الحداثة” التي قطعت أشواطا من الصراع، الدامي أحيانا، مع كهنة وملوك وتخلّف، كان وقودا يغذي نفوذهم.

وفي اعتقادهم “الديني” أيضا أن “الحداثة”، التي نزعت القداسة إلا عن العقل، ضرب من الإلحاد وكفر بالمقدس، ناسين أن الإسلام دين معجزته العقل، وأن عمر بن الخطاب أول من شق، باجتهاده البشري وتفكيره العقلاني، طريقا إلى الحداثة. ومن حسن حظه، عمر والمصطلح معا، أن هذا المصطلح الذي أصبح سلك كهرباء عاريا يخيف الإسلامجية لم يطلقه أحد آنذاك، حين ألغى عمر نصيب “المؤلفة قلوبهم”، من مستحقي أموال الزكاة، وظلت الآية تُتْلى ويتعبد بها، دليلا على أن مقاصد التشريع متروكة للاجتهاد البشري في مراعاته للسياق العام.

الحداثة حزمة عقلية تنحاز إلى المستقبل، بعد أن أنجزت فلسفتها قفزة فكرية انتصرت للعقل على النقل، وحررت الفكر الإنساني إلا من سلطة العقل وحقه في الاجتهاد.

فلسفة الحداثة كانت أساس الدولة الحديثة، وشعارها: الحرية والإخاء والمساواة والديمقراطية والعدالة، وحملت البشرية إلى مرحلية جديدة، بعد الانتقال القديم من الرعي والزراعة إلى الصناعة، من العشيرة إلى الفردانية، من الاستبداد إلى الحرية، من الأعراف القبلية إلى سلطة القانون، من العبودية والإقطاع إلى “الدولة” التي تتخذ من القانون دينا، وترفض المساس بأي عقيدة، وتحمي حق المواطن في اعتناق أي دين، أو الارتداد عنه إلى دين آخر، أو الكفر بالأديان.

قبل “الحداثة”، مرت البشرية بمراحل تعرف بالعصور الوسطى. ويحلو للمدافع عن شرف الحضارة العربية الإسلامية أن يشير بهذا الاتهام إلى الطرف الشمالي، قائلا إن هذا يخص أوروبا حين كانت سلطة البابا أعلى من الملوك في تحالفهم مع الإقطاع، أما الحضارة العربية الإسلامية فكانت في قمة تألقها.

ويسهل على قارئ التاريخ أن يرى عوارا وتشوهات في هذه اللوحة المتخيلة، وحين يطويها تصدمه ازدواجية في رؤية من عانوا شرور الاستعمار، ولكنهم يبكون الفردوس الأندلسي المفقود، ويحلمون باستعادته.

في مراحل العصور الوسطى، هنا وهناك، وقعت جرائم ضد الإنسانية، سجن فقهاء لمخالفتهم الرأي السائد (مالك بن أنس وأحمد بن حنبل)، وصودرت اجتهادات فلاسفة (ابن رشد)، وصُلب، وأًعدم، متصوفة بتهم الإلحاد ستارا للخوف من تمرد تنطوي عليه فلسفتهم (الحلاج والسهروردي).

وبعيدا عن الجرائم الفردية قُمعت ثورات في مصر وغيرها، وسيق المسلمون الراغبون في العدل أسرى إلى عاصمة الخلافة.ارتكبت هذه الجرائم باسم الدين، أفتى بها فقهاء متخمون بنعمة السلاطين، بحجة الحفاظ على ما يسمونه الشريعة. ولم تكن أوروبا حين أتيحت لها القوة بأقل حرصا على كنوز البشر ودمائهم، في سلسلة من القسوة الدامية، فأبادت شعوبا ودمرت ثقافات، تحت راية الكتاب المقدس، منذ الاستيلاء على الساحل الشرقي لأميركا، قبل التوغل غربا والإيغال في إبادة جماعية سيكون لها شكل آخر على الضفة الشرقية للأطلسي، بقنص وشراء نحو خمسين مليونا من شباب أفريقيا، وإلقاء من يتمرد منهم أو يمرض إلى أسماك المحيط، قبل الوصول إلى أميركا، وهي جريمة ضد الإنسانية غير مسبوقة ولا ملحوقة في التاريخ، باستثناء ما فعلته النازية في نزوع عنصري تكرره نسختها الصهيونية. يستوي التدعيش والتحديث في استحلال التنعم بإنجازات رفاهية أثمرتها “الحداثة” الواقعة في خانة التحريم.

يجادل الدواعش داخل دولتهم الحالية في سوريا والعراق، ومن فوق المنابر وأمام الشاشات في مصر بأنهم الله “أرسل محمدا بالسيف رحمة للعالمين”، وأن أمام البشرية خيارين إذا رفضوا الإسلام، وفي حين يستحل المقيمون منهم بأوروبا إعانة بطالة، من أموال دافعي ضرائب على الخمور ولحم الخنزير والدعارة، فإنهم ينتظرون يوم التمكن من “تطهير” أوروبا من المسيحيين، في مزايدة على الله، وجهل صريح بحكمته في خلق الناس “شعوبا وقبائل”، “ولو شاء لجعلكم أمة واحدة”.

التدعش يصيب متطرفين مسيحيين أيضا، وإن كان تشددهم في طور أفكار منزوعة القوة، يسارعون إلى اتهام الإسلام بالوحشية بذكر دموية سلاطين ومحاربين كانوا جزءا من سياق عصرهم.

لا تُدين الإسلام خطايا أهله، ولا يدين المسيحية غزو الأميركتين، وصولا إلى حرب صليبية شنها جورج بوش على العراق. وقد نجا المسيحيون من هوس ابتلي به رجل جهول اسمه أبو إسحق الحويني يفخر بالغزو والسبي، ويرى أن بيع الرقيق ينعش الاقتصاد في العالم الإسلامي. هذا الحويني يحظى بإعجاب أطباء ومهندسين ومدرسين مكانهم مثله مستشفيات الأمراض النفسية لعلاج التشوه الأخلاقي والحضاري.

هذا التشوه يمتد إلى فرض الوصاية على الناس، وإلغاء ما حققته “الحداثة” من حريات فردية، كانت لها نتائج مبهرة في البحث العلمي، وعلى المستوى الشخصي “كل نفس بما كسبت رهينة”، ولكن شبانا في بلجيكا تسلحوا بلحاهم، وأطلقوا على أنفسهم “الشرطة الإسلامية”، لم يستوعبوا أن يكون الشخص مسؤولا عن سلوكه مادام لا يؤذي غيره، ووقفوا في نوفمبر 2015، أمام الملاهي يمنعون الداخلين، في إنكار لمبدأ حق المواطن في الإلحاد دون الانتقاص من حقوقه الدستورية التي تحمي أيضا متطرفين يتدربون على مرحلة التمكين.

ختمت هذا المقال بجهالات أبو إسحق الحويني عن الغزو والسبي، وفي اللحظة الأخيرة فتحت قوسا آخر، إذ قادتني مصادفة إلى تصريح راشد الغنوشي عن حروب الردة باعتبارها “أول حركة تمرد علماني مسلح يريد تجزئة الإسلام… كان ذلك أول حركة علمنة”، في مغالطة صريحة تنكر أن تلك الحروب كانت عملا علمانيا يصون هيبة “الدولة”، ويحفظ هذه الهيبة باستمرار دفع “الضرائب/الزكاة”، دون أن تراقب الناس في أدائهم أركان الإسلام الأخرى التي تخص الله وحده.

https://www.youtube.com/watch?v=AxfOyCzeVuY

يرجع تاريخ كلام راشد الغنوشي إلى شهر أكتوبر من العام 2014، في الشهر نفسه منحته “مؤسسة ابن رشد للفكر الحر” في برلين جائزتها السنوية. جائزة نالها قبله محمد أركون وعابد الجابري ونوري بوزيد ومحمود أمين العالم ونصر حامد أبو زيد وصنع الله إبراهيم وسمير أمين. فأي عبث جرى باسم العقل الذي كان ابن رشد عنوانا عليه؟

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر