الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

صناديد اليوم

الجبناء الهيابون يجلسون في البيت ويقرأون كتبا بينما الشجعان يرقصون في الـ'ديسكو' ويجوسون خلال المسارح والبارات.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/12/01، العدد: 10114، ص(24)]

دائما أقارن الحاضر بالماضي ودائما المقارنة تأتي لصالح الماضي. الأسبوع الماضي تقارير الأخبار كلها تظهر شبانا وفتيات عاقدون العزم على الذهاب إلى مرقص أو بار أو مباراة كرة قدم في عواصم أوروبية شتى كشأنهم في ليلة عطلة نهاية الأسبوع. وهذا فعل ترفيه لا غبار عليه لكن المذيع يخبرنا أن هؤلاء يتحدّون الإرهاب. الشباب نفسهم مقتنعون أنهم بالذهاب إلى المرقص إنما يتصدون للإرهاب بقلب من الفولاذ.

الأشياء لم تعد الأشياء. الزمن تغير. كل مسمى لا يعني ما يقوله. حتى الطعام مصنوع من مواد ذات أسماء غريبة. والمعادن بلاستيكية وكيس الورق ربما مصنوع من خلاصة السمك أو الأرز، والهاتف الذي في يدك إنما هو كاميرا وأطلس. صرنا لا ندري، كل شيء ليس بمعناه. والآن حان دور القيم والمفاهيم لتتغير بحيث تصير البطولة تعني الذهاب إلى مقصف أو السكر في حانة أو الرقص على صخب الروك أند رول. المشكلة أن الجميع مقتنع بمفهوم الشجاعة الجديد هذا.

المسألة تكمن في الإقناع. الإعلام الآن يروّج لمفهوم عجيب وهو أن الإرهابيين يغارون من أسلوب حياتنا ويصور لنا أن مقاتلي طالبان في تورا بورا يموتون غيرة وحسدا. الأوروبي مقتنع تماما بأن هناك مقاتلين في الجبال جالسون يتمنون لو أن عندهم قروض مصرفية وبطاقة ائتمان وأنهم مستعدون لأن يدفعوا حياتهم لقاء رحلة تسوق واحدة في المول التجاري وزيارة لمتجر بيناتون أو كلاركس. أغلى أمانيهم أن يشتروا نظارات شمسية عبر الإنترنت.

بهذه القناعة يتغير مفهوم البطولة. هنا نقف لنتذكر البطولة القديمة. في الحرب العظمى، مثلا، يتوجب على الملازم أن يخرج من الخندق بمفرده شاهرا مسدسا ليطلق رصاصة بدء الهجوم ثم يندفع نحو الموت مكشوفا. وحده ماثل أمام مدافع رشاشة من خندق العدو. وفي زمن أبعد يغير الفارس لوحده مخترقا صفوف العدو في ما يعرف بالحملة. يحمل عليهم والسيوف في انتظاره تتخاطفه يمينا ويسارا. الشجاعة، أيام زمان، تكمن في اقتحام الخطر المميت.

أبطال اليوم مختلفون. يخرجون من معاقلهم مسلحون بآي فون ويذهبون إلى لعبة كرة قدم غير هيابين. يسأله الناس “أين ذاهب؟” يقول “لحضور مباراة تشيلسي وأرسنال”. يبهتون ويقولون له “ألا تخاف ألا تفكر بمآل عائلتك؟ كن عاقلا ولا تسمع صفارة الحكم”. فيقول هازئا بالموت “نحن لها”.

في أوروبا كلما ترى سكرانا يغني في الشارع أو فتاة ترقص في ديسكو فأعلم أنك إزاء أبطال هم مادة الأساطير وعناوين قصائد الفخر. وهناك من تبلغ بهم الشجاعة والفروسية حد أنهم يذهبون إلى البار ويطلبون “دراي مارتيني”، ولا يكتفون بقدح واحد من كثر الجرأة والرغبة في الاقتحام.

الجبناء الهيابون يجلسون في البيت ويقرأون كتبا بينما الشجعان يرقصون في الـ”ديسكو” ويجوسون خلال المسارح والبارات. لكني واثق أن أبطال اليوم لا يستطيعون أن يواجهوا جماعة مثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إن وجدت. يتحدون الإرهاب فقط، فهذا اختصاص.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر