الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الإرهاب وشيطنة المختلف

الدولة المدنية العادلة ليست بدعة، بل هي خلاصة وصلت إليها الشعوب على وجه عام، بأن شرعية أي سلطة تأتي من الناس وليس من الدين.

العرب علي الأمين [نُشر في 2015/12/02، العدد: 10115، ص(8)]

حين يصبح الموت العبثي حاضراً بهذه القوة التي يقدمها الإرهابي المتحصن بشعارات إسلامية أو مذهبية في مواجهة الحياة، لابد من السعي لأن يساهم هذا الحضور القاتل في إحياء ما كان ميتاً أو مهملاً في التفكير وفي الخيارات السياسية والاجتماعية وحتى الفكرية في مجتمعاتنا العربية. ذلك أنّ هذا النمط من الموت، المفروض على الناس الآمنين كرهاً، لا يخرج عن كونه نتاج ثقافة وأسلوب تفكير، يصل إلى حيث انطلق أصلاً، أي إلى التكفير، ضمن دائرة عبثية محورها الاعتقاد الواهم بامتلاك صاحبه الحقيقة الكاملة. لذا يوفر هذا الاعتقاد، المرضي لدى البعض، قطع المسافة بيسر نحو قرار قتل المختلف من دون أيّ شعور بالذنب، بل على العكس يكون القاتل مفعماً بمشاعر الرضى الذاتي على ما يرتكبه.

هذه النزعة، التي تجد جذورها في الفكر الديني اليوم، هي ليست بطبيعة الحال حكراً على بعض التيارات الدينية، والإسلامية السنية والشيعية منها على وجه الخصوص، بل هي الأساس في مناهج فكرية وسياسية واجتماعية كانت مؤسسة للدكتاتوريات الدينية واللادينية في هذا العالم. فالتكفير إذ ينطلق من شيطنة المختلف، يمشي في خطوة تمهيدية لقتله معنوياً ومادياَ، وصولا إلى تبرير استباحة كرامة ودم فئات دينية أو قومية أو جهوية. بحيث يتم تبرير قتل الطفل والمرأة أو الشيخ. فمع شيطنة المختلف لا يحتاج الأمر إلى الكثير من بذل الجهد في استصدار الفتاوى الدينية المبيحة لدى البعض، أو القرارات غير الدينية لمن هم خارج دائرة الدين.

لا بد من الإقرار بأنّ الإرهاب يجد حاضناً له في ثقافتنا الدينية الاجتماعية والسياسية، وفي الفهم المشوّه للدين من جهة، وفي فهمنا للحقيقة السياسية التي لا تستقيم في وعي الكثير منا إلا على شيطنة الخصم واستباحته معنوياً من جهة ثانية، والاستهانة بكرامته الإنسانية، فضلاً عن تجاوز حقوقه السياسية والاجتماعية. وذلك التكفير بعينه، وإن لم ينطلق من موقف ديني أو مذهبي. فالاستبداد، أيّاً كانت هويته الفكرية أو السياسية، هو البيئة الملائمة لنمو ظاهرة التكفير والإرهاب معاً. فالنظام السياسي الذي يكتم حق التعبير عن الاختلاف والتنوع في المجتمع، يمارس فعلاَ تكفيريا، وينمّي هذه الظاهرة لدى البيئات المحكومة أو المصادرة.

هذا هو الإرهاب الذي تتعالى أصوات لمواجهته بخبث أو بقناعة تتلمس مخاطره على مستقبل أوطاننا ودولنا، بعدما نشب أنيابه في أعناق السوريين والعراقيين وغيرهم على امتداد بلاد العرب والفرنجة، وصار يغرف من الدماء البريئة، واعداً بالمزيد من ذرفها. أنياب تتطلب مواجهتها، الإقرار بأنّ مصادر نفوذ الإرهاب التكفيري وتمدد قوته يكمنان في الخلل الذي يصيب الحياة الوطنية، ويعطل الحياة السياسية بانفلاتها من قيود الدولة أولاً، ومحاولات فرض الاجتهاد السياسي بالقوة غير المشروعة على الآخر، إلى الغرق في تقديم الانتماءات المذهبية والدينية والسياسية على الانتماء الوطني. وهو ما دفع إلى تبني خيارات متعارضة زادت من منسوب الاستهانة بمفهوم وحدة الشعب والمؤسسات والدولة.

مع سقوط الأوهام الإقليمية الكبرى تلك التي لا تقوم إلا على شرط إضعاف الدولة، ومع الإدراك الوطني العام المتنامي بعبثية الخروج على منطق الدولة وشروطها، ومع تلمس الحاجة إلى التضامن الوطني، بلا استقواء أو غلبة، بل بالمساواة في الحقوق والواجبات، كجماعات وكمواطنين… ثمة حاجة إلى قوة التواضع لمواجهة استكبار المنهج التكفيري والسلوك الإرهابي اللذين يهددان أبسط شروط الحياة الطبيعية في بلادنا، بدلاً من “الحلّ الأمني” الذي يفكّر كثيرون فيه. فالحلّ بالتفاهم وليس بالاستقواء أكثر وأكثر، وبالتصالح وليس بالقمع مجددا.

وكما أنّ الإرهاب يستند إلى شيطنة المختلف مذهبيا أو دينياً، فثمة حاجة عربية وإسلامية لخفض منسوب شيطنة المختلف سياسياً بالاقتناع بالحقيقة الوطنية الموزعة بين مواطنين متساوين، بلا تكفير ولا تخوين… فهل نجمعها قبل أن يقضي التكفير والإرهاب في دواخلنا على ما تبقى من حياة فينا؟

الإرهاب يجد حاضناً له في ثقافتنا الدينية الاجتماعية والسياسية، وفي الفهم المشوه للدين من جهة، وفي فهمنا للحقيقة السياسية التي لا تستقيم في وعي الكثير منا إلا على شيطنة الخصم واستباحته معنويا من جهة ثانية

لقد شكلت الشعارات الدينية والقومية الفضفاضة وأيديولوجياتها بحسب التجارب في بلادنا العربية والإسلامية عموما، وسيلة من وسائل الهروب من متطلبات شروط بناء النموذج الحي والجاذب للإنسان أيا كان دينه أو انتماؤه العرقي، وللبناء السياسي والوطني. وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن ملاحظة أن الأنظمة الشمولية وأدواتها الأيديولوجية كانت إزاء هدف إحقاق الدين أو استعادة فلسطين هشمت مفهوم تداول السلطة، أو محاسبتها، ومنعت الحريات العامة والفردية، ورفضت الخوض في تحديث المجتمع والدولة وتنميتهما باعتبارهما من صغائر الأمور التي تعوق المهمات الكبرى… لكأن الانسان خُلق من أجل الدين، وأن المعادل لفلسطين، وطنيا وقوميا، هو تأبيد الاستبداد. وربط تحقيق الحرية بتحرير فلسطين، بحيث صار على الشعوب أن تقبل الاستبداد بسبب العجز عن تحرير فلسطين.

فهاتان المقولتان، لما لكل منهما من حضور وجداني وعاطفي في مجتمعاتنا الشرقية، أمكن استغلالهما من أجل تهميش العقل لحساب العاطفة، وتقديم الشكل على المضمون، واستثمار الجهل بالشعارات الرنانة التي تنطوي على النقيض مما تدعو. لذلك، ولأننا أصبحنا أسرى شعارات مستندة إلى العصبيات، نجدنا في الواقع منحازين إلى اللصوص المحترفين في السياسة والمال والدين، نضفي عليهم صفات البراعة والتدين ونختلق لهم الذرائع ما داموا من “ملتنا”، في وقت نضفي على أمثالهم، ممن هم ليسوا من “ملّتنا”، وصف الشياطين.

ليس مطلب الدولة المدنية والعادلة بدعة، بل ببساطة هو خلاصة وصلت إليها الشعوب على وجه عام، بأن شرعية أي سلطة تأتي من الناس وليس من الدين، وتأتي من إرادة الشعوب وخياراتها، وليس باسم تحرير فلسطين، ربما هذا ما دفع أحد الأصدقاء إلى القول بأنّ “الدين وفلسطين أفيون الشعوب”، خالطا مقولة ماركس الشهيرة حيال الدين، مع معادلها الفلسطيني. ولا أعتقد أن مفكرا مثل ماركس كان، فيما يتحدث عن الدين، يتحدث عن كلام الله ورسالته إلى البشر، بل كان على ما نذوق اليوم ونتعلم، يتحدث عن الدين الذي صار بين البشر مطية لشُذّاذ وجدوا في استغلاله سبيلا لتأبيد الجهل ونبذ المعرفة والحياة وتعميم ثقافة الموت.

كاتب لبناني

علي الأمين

:: مقالات أخرى لـ علي الأمين

علي الأمين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر