السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

باريس عيد متنقـل

ثمة من يحاول أن يحول دون طيرانها في هذا الأفق المترامي.. تحاول أن تتشبث ببقايا الأمل وأن تحذو حذو باريس التي رفضت الانصياع للخوف والحزن والتوجس.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2015/12/02، العدد: 10115، ص(21)]

كانت تقفُ على سطح مبنى معهد العالم العربي في باريس.. بدتْ مدينة النور وهي تشع بالأضواء.. وتتراقص البهجة فيها معطرة بأجواء الحب والرومانسية.. شخصت المباني وقد بدا وكأن كل حجر فيها يروي تاريخا من الثورات والحروب والمؤامرات والوطنية والعمالة والحب والخيانة والدم والسلام.. لمعت أنوار تمثال المرأة الذي يرمز للحرية فوق مسلة علت فوق أنقاض سجن الباستيل.. وأنارت الليل الحالم أضواء كنيسة نوتردام وقد انعكست على صفحة الماء الذي بدت مراكبه أقل صخبا بعد أن نكست الأعلام صارياتها حزنا على ضحايا الإرهاب.. وبعد أن تراجع السياح خوفا وارتاب الباريسيون خشية مما قد تخبئُه لهم الأيام القادمة.. بيد أن الفرنسيين شعب حر حي مصرٌّ على الحياة.. ولذا فقد ظلت كفة الحياة فيهم هي الأرجح دائما.

ويحدث أن يضع أحد المواطنين بين شموع استذكار الضحايا نسخة صفراء قديمة من كتاب الكاتب الأميركي إرنست هيمنغواي “باريس عيد متنقل”.. وهو كتاب مطبوع في عشرينات القرن الماضي وقد ترجم إلى الفرنسية في الستينات تحت عنوان “باريس عيد”.. ليغدو ذلك الكتاب هو الرد الإنساني الثقافي الذي تمسك به الفرنسيون إزاء صنـّاع الموت.. ويصير شعارا للمدنية والتحضر.. فنفدت نسخ الكتاب من السوق.. وشرعت دار “غاليمار” العريقة بإعادة طبع 15 ألف نسخة منه بعد يومين من مجزرة الحي الحادي عشر.. وقد اقتناه المئات من البشر الذين أصروا أن يقارعوا القبح بالجمال وأن يقارعوا الحقد بالحب والتخلف بالتحضر والموت بالحياة.. وراحت مئات النسخ تصرعلى أن “باريس عيد” وهي تجالس الشموع استذكارا للضحايا الذين سقطوا يوم الجمعة الثالث عشرمن نوفمبر ذلك اليوم ظل الفرنسيون يتفاءلون به على عكس الإنكليز والأميركان وسواهم من الشعوب.

هكذا بدت لها باريس من سطح معهد العالم العربي..

ينزل الدمع من عينيها وهما تحاولان أن تشربا ذلك الجمال الباذخ الصارخ.. ثمة أصابع سوداء تحاول أن تخنق فيها الفرح والحب وتحاول أن تغمض عينيها دون ذلك المساء الشفيف.. ثمة من يحاول أن يحول دون طيرانها في هذا الأفق المترامي.. تحاول أن تتشبث ببقايا الأمل وأن تحذو حذو باريس التي رفضت الانصياع للخوف والحزن والتوجس..

هاهي تتبدى أمام ناظريها وتستعيد غنجها وهي تزين شوارعها بانتظار أعياد الميلاد.. تلبس الأبنية أبهى حللها وتزدهي القباب والقصور القديمة والمتاحف والمتاجر والمقاهي.. وتضاء كل الشبابيك والشرفات فتشع دفئا وعنفوانا رغم البرد القارس.. وقد توسط قلب مدينة النور قوس النصر وبرج إيفل الشامخ وهو يصر على حياته فينير القلوب والعقول..

بالابتسامة تحاول أن تقهر دمعها وبالحب تحاول أن تقهر الغضب والألم.. تتنشق نسائم تداعب صفحة نهر السين وهي تتهادى من تحت جسور باريس السبعة والثلاثين.. فتفتح ذراعيها وتمدهما عاليا وكأنها تحاول أن تتلبس جناحي نورس ولد ورفرف وكبر على ضفاف دجلة.. وحط يوما على ضفاف النيل وعلى ضفاف التيمز.. وها هو يرفرف ويحط على ضفة السين.. ويطير لتحضنه سماء العالم الأوسع معلنا أن الإنسانية تبدأ وتنتهي عند كلمة محبة وعند كلمة أمل وعند كلمة إخاء..

صباحكم عيد وسلام..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر