السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

44 عاما من التحديات

يحسب للقيادة الإماراتية وعيها السياسي ومقدرتها الفريدة على قراءة مسارات الأحداث، فكان صانع القرار الإماراتي واعيا منذ اللحظة الأولى لاضطرابات 2011 بأن هدفها تنفيذ مخططات التفكيك والتقسيم.

العرب سالم الكتبي [نُشر في 2015/12/02، العدد: 10115، ص(7)]

يرى بعض الباحثين والخبراء أن ما تموج به منطقة الشرق الأوسط من أحداث وما تعيشه من أزمات يفرز تحديات وتهديدات استراتيجية غير مسبوقة بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة وبقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

ولكن استقراء التاريخ القريب والبعيد منذ تأسيس اتحاد دولة الإمارات يؤكد أن الدولة قد واجهت العديد من التحديات وتصدت للكثير من الصعاب والعراقيل بفضل الرؤية الاستراتيجية الواعية التي امتلكها القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وخلفه في هذه الميزة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، قائد مرحلة التمكين ومن استطاع أن يقود سفينة الوطن بمهارة وحنكة سياسية وسط الأمواج المتلاطمة منذ وفاة القائد المؤسس في نوفمبر عام 2004.

التحديات التي واجهها اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة تتوزع بين الداخلي والخارجي، فعلى المستوى الداخلي هناك تحديات التنمية التي كانت تمثل أصعب الملفات بالنسبة لسنوات التأسيس الأولى، والتي يطلق عليها المتخصصون مفهوم “تحديات البقاء”، سواء على صعيد بناء مؤسسات الدولة الوليدة أو بناء الإنسان، فضلا عن تحديات بلورة الهوية الوطنية للدولة الاتحادية التي تكونت من إمارات مختلفة متقاربة جغرافيا وثقافيا وإنسانيا ولغويا.. إلخ.

لكن هذه الإمارات كانت تخوض للمرة الأولى في تاريخها تجربة العيش تحت راية دولة اتحادية، وما يتطلبه ذلك من ترتيب للبيت وتدعيم للمؤسسات الاتحادية ودورها وتوحيد للقوات المسلحة، وغير ذلك من خطوات عمقت روح الاتحاد وعجلت بصهر الهوية الوطنية وأنتجت بعد هذه السنوات من الجهد والعمل الجاد مفهوم “البيت المتحد”.

بإطلالة تاريخية عابرة على الماضي القريب، يمكن أن نرصد محطات تاريخية مهمة أفرزت في وقتها الكثير من التحديات والتهديدات للأمن والاستقرار الإقليمي، ابتداء من الثورة الإيرانية عام 1979 وما جلبته من نظام حكم ثيوقراطي، وبقية الأحداث الكبرى التي شهدها العام ذاته، ومنها توقيع معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية، ثم كانت الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980 ـ 1988)، وما تلا ذلك التاريخ من أحداث أعقبت انهيار ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي السابق. ثم وقعت أحداث مفصلية مهمة أبرزها الوحدة اليمنية عام 1990، والغزو العراقي للكويت (1990) ثم حرب الخليج الثانية 1991، واعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما أعقبها من توابع، ثم غزو العراق وبداية الانهيار والاضطراب للأمن والاستقرار الإقليمي، وصولا إلى ظهور تنظيم داعش.

التحديات إذا ليست غائبة عن البيئة الاستراتيجية والأمنية التي يعيش فيها اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد عادت لتطل برأسها من جديد مع الفوضى والاضطرابات الإقليمية التي عاشتها العديد من الدول العربية، ومنها دول محورية مثل مصر وسوريا والعراق، ودول مهمة بالنسبة للأمن الوطني الإماراتي مثل اليمن والبحرين، ودول ربما لا يفرز ما يدور بها من أحداث ضغوطا مباشرة على الأمن الوطني الإماراتي ولكن هذه الدول مهمة بالنسبة لصانع القرار لجهة كونها جزءا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي مثل ليبيا.

يحسب للقيادة الإماراتية وعيها السياسي ومقدرتها الفريدة على قراءة مسارات الأحداث وحسن التنبؤ بما هو آت من أحداث، فكان صانع القرار الإماراتي واعيا منذ اللحظة الأولى للاضطرابات التي شهدها العالم العربي في عام 2011 بأن الهدف النهائي لهذه الأحداث هو تنفيذ مخططات التفكيك والتقسيم وإعادة هندسة المنطقة وفقا لمصالح القوى الإقليمية والدولية المتربصة بمكتسبات ومصالح الشعوب العربية، وذلك تحت ستار مساندة “الثورات” ودعم مطالب الشعوب العربية “الثائرة”(!)

يعد العام 2015 الأكثر سخونة في منطقة الخليج العربية، حيث بادر التحالف العربي الذي قادته المملكة العربية السعودية وشاركت فيه دولة الإمارات العربية المتحدة بفاعلية وتصميم وإصرار، إلى التصدي للنفوذ الإيراني الذي اتشح برداء شيعي حوثي في اليمن، واستغل غفلة من الجميع وانقض على مسيرة الشرعية الدستورية في البلاد. وحاول الإمساك بمفاصل الدولة اليمنية كي يضغط على الأمن الوطني لدول مجلس التعاون من خاصرته الجنوبية ويحاصره بطوق استراتيجي شيعي من الشمال عبر وكلاء إيران في لبنان وسوريا والعراق، وعبر جماعة الحوثي وميليشيات المخلوع صالح في الجنوب.

نجحت الإمارات وأشقاؤها الأعضاء في التحالف العربي في التصدي للمخطط الإيراني في اليمن عبر عمليتي “عاصفة الحزم” ثم “إعادة الأمل” اللتين أنقذتا الأمن القومي العربي من أحد المزالق المهلكة، كما أنقذتا الأشقاء في اليمن من مستقبل مظلم كان ينتظرهم في ظل المخطط الإيراني ـ الحوثي، واستعادتا هذا البلد إلى حاضنته العربية والخليجية.

وعندما تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة بيومها الوطني الرابع والأربعين فهي تحتفل أيضا بإنجازات قواتها المسلحة الباسلة، الحصن الحصين لأمن الأمارات واستقرارها، وتطوي صفحة عام من التحديات الاستراتيجية الهائلة، التي تصدت لها القيادة بفاعلية وتصميم وتماسك وثبات، لتعيد للأمن القومي العربي هيبته وقواعده الأساسية، إذ يشكل وفقا لها أمن كل دولة عربية جزءا لا يتجزأ من الأمن الوطني الإماراتي، وفقا لما يؤكده دوما الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو الرجل الذي تحمل على عاتقه مسؤولية هذه المرحلة التاريخية بالغة الحساسية ودافع عن قيم العروبة والأصالة بتصميم لا ينم سوى عن ميراث الخير والعطاء الذي تركه القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مضافا إليه رؤية استراتيجية واعية ومدركة لأبعاد ما يدور من حولنا من خطط ومؤامرات، ومقدرة فريدة على اتخاذ القرار الصائب في التوقيت السليم.

كاتب إماراتي

سالم الكتبي

:: مقالات أخرى لـ سالم الكتبي

سالم الكتبي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر