الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

المدن اللامرئية

المدن العريقة تاريخيا تتحول تحت ضربات الشقاء المتتالية، إلى مدن رمال متحركة أسس لها الطغاة طويلا.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/12/03، العدد: 10116، ص(16)]

منذ ما يقارب الأربع سنوات كنت أسير في أحد الشوارع برفقة أحد الأصدقاء. استوقفني عنوان لكتاب معروض في واجهة مكتبة تبيع الكتب المُستعملة “المدن اللامرئية” للروائي كالفينو، يومها دار هذا الحوار بيني وبين الصديق:

- لم تقرئي هذه الرواية؟

- لا.

- لديّ نسخة، سأعطيك إياها، لكني لا أشجعك على قراءتها، إذ لا ينقصك المزيد من القراءات السحرية.

كنت أنوي قراءة هذه الرواية منذ أيام الدراسة، غير أنني انشغلت بقراءات أخرى دون أن أبتعد كثيرا عن كل ما يحمل غرابة ما إما فنيا أو أدبيا.

لم يدر الصديق أن وصفه للرواية بالسحرية كان محرّضا على تنفيذ رغبتي في الحصول على الرواية، وذلك في أسرع وقت.

أسرع وقت ممكن كان النهار التالي، اشتريت الرواية وقرأتها، كنت سعيدة بجرعة السحر الذي بثته الرواية في نفسي. اقتنعت حينها أنني استحوذت على جميع أفكار الرواية، غير أنني كنت مخطئة. فأصداء الرواية لم تبلغ مدى عمقها إلاّ بعد تطورات الثورة السورية. إذ باتت مدن كالفينو تجسد ما آلت إليه المدن العربية-الشرق أوسطية من انهيار، وتحوّل خاطف في الملامح.

مفهوم الجغرافيا في المدن خلال الثورات وما بعدها، لم يعد يدل على المكان بقدر أشارته إلى الزمان/ الآتون الصاهر الذي يطلق شظاياه العشوائية، فيقوض أعمدة الإحساس بالأمان في نفس أهل تلك المدن، الصامدين فيها والهاربين منها، تجاه ما تمثله لهم مدينتهم.

كان أهل هذه المدن، وأذكر على وجه الخصوص بيروت وحلب وهما المدينتان الأحب إلى قلبي، يألفونها، ويملّون منها أحيانا، كما يملّ الحبيب من محبوبه، ولكن دون أن يفقدوا حبّهم لها. لا يهجرونها إلاّ قصرا، خلافا لأهالي المدن الغربية الذين اعتادوا التنقل بين المدن وفقا لمقتضيات العمل أو الدراسة.

قد يكون الشعار الأنسب لهؤلاء المغادرين غير المستوحشين هو “كل المدن هي أوطاني حتى إشعار آخر”. لا يخفى على أحد ما يترتب عن ذلك من تبدّل في الشخصية الجماعية وفي النظرة إلى معنى الحب ومدى أثره في النظرة إلى الذات وإلى الآخر، هذا الآخر المنتمي إلى المدن الحقيقية التي هي في طور التحول إلى مدن خيالية- لا مرئية تعشش في ذاكرة أبنائها.

معظم المدن العريقة تاريخيا تتحول تحت ضربات الشقاء المتتالية، إلى مدن تنمو على رمال متحركة أسس لها الطغاة طويلا وكرّسها الغزاة سريعا بكل ما هي ليست عليه في الأصل. في تصّدعها المستمر تبقى صامدة افتراضيا، ولكن كمشاهد دامية أو متهالكة في نشرات الأخبار اليومية.

حتى بيروت بالرغم من ابتعاد الحرب الرسمية، تعيش تخبّط جنين لا يكتمل نموه، لذلك يصف الكثير من اللبنانيين بيروت بمشروع مدينة في حالة غليان وفوران دائم، فلا هي تتبخّر، ولا هي تستقر على شكل تهدئ به من روع سكانها. ربما في ذلك جمالية ما، ولكن فقط في عين السائح الغربي المتشوق للمغامرات ولجمالية الوقوف على حافة الجرف، وربما لم يعد يستسيغ ذلك بعد وصول جنون الإجرام إلى عقر داره.

أثناء الحرب اللبنانية كنا نتنقل أنا وإخواني ما بين حلب وبيروت، وبعد انتهاء الحرب بسنين عديدة صرنا نعود إليها لنعيش لحظات لا تنسى في شوارعها الشعبية والعريقة بعيدا عن بيروت التي خسرت الكثير ممّا كنا نعرفه عنها عندما كنا صغارا.

كانت حلب بالنسبة إلينا ملاذا للاتصال بحلاوة الأيام السابقة، وستبقى كذلك. لن تتحول هي الأخرى إلى مدينة خيالية. لن تقف أمام هامة اللامرئي المتسلل إليها، قائلة كما في الرواية إنها “عند الصباح ستستيقظ من كابوس لتعيش كابوسا آخر”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر