الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

شهرزاد المغربية

فاطمة المرنيسي كانت كما عهدتها دوما، حلوة الشمائل، رقيقة الحواشي، بالتعبير النثري الذي يروق لها وتنحاز إليه بقدر انحيازها إلى اللهجة المغربية وذاكرتها الحية.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2015/12/03، العدد: 10116، ص(14)]

أتذكر جيدا ذلك اليوم الخريفي من سنة 2007، وأنا أودع الروائي المرحوم إدمون عمران المليح في باب شقته، وأوصيه بأكل السمك والفواكه الجافة، منتشيا بالعمق الطفولي المبهج الذي لم يبرح كلامه وحركاته، وهو في العقد العاشر، وكأنما حدست أنها المرة الأخيرة، التي ألتقيه فيها، حين بادر إدمون السيدة الصاعدة بتؤدة سلم العمارة، بتحية تخللتها دعابات ناعمة، قال لي: طبعا تعرف الحاجة فاطمة المرنيسي، هي جارتي بالعمارة. لم أقل شيئا، سارعت إلى معانقتها بحرارة، فقد سبق لي لقاؤها في مناسبات عدة، قدمني بعبارات إطراء موجزة، وتحدثنا قليلا عن سيرة إدمون التي صدرت بالفرنسية للتوّ، كما سألتني عن جديد الدراسات في ألف ليلة وليلة، قالت لي وهي تتابع خطوها، إنها ستتصل بي بعد أسبوع بخصوص ندوة عن “حكيّ النساء”.

كانت كما عهدتها دوما، حلوة الشمائل، رقيقة الحواشي، بالتعبير النثري الذي يروق لها، وتنحاز إليه، بقدر انحيازها إلى اللهجة المغربية وذاكرتها الحية، التي تعتبر إحدى العارفات بأسرارها. حين غادرت العمارة العتيدة بحي أكدال بالرباط، التي هداني إلى عتباتها أول مرة صديقنا محمد برادة، لم أكن أظن أني أطوي صفحة الروائي والباحثة للمرة الأخيرة، ذلك أنه حالت ظروف معقدة دون مشاركتي في الندوة التي حدثتني عنها.

وحين أراجع اليوم تمثلي لكتابات فاطمة المرنيسي، بعد أزيد من ربع قرن من الاشتغال على نص ألف ليلة وليلة وتوابعه من محكيات بصدد قضايا النساء، والحريم، ومجالس الأدب والسياسة والطرب، وأنساق السلطة والثروة في المجتمعات العربية الإسلامية في القرون الوسطى، أزعم أنها تفريع متواضع عن نهر كبير شقته ببراعة عزّ نظيرها لكتابات هذه الباحثة الرائدة عن شهرزاد وامتداداتها في الذهنية العربية، بحيث بقيت تسكن في العمق معظم الأسئلة التي أرقت اجتهادات أجيال من الباحثين المغاربة والعرب في ميادين شتى تمتد من السوسيولوجيا والدراسات النسائية، ودراسات التصوف والإسلام الكلاسيكي، إلى الدراسات الأدبية باختياراتها المنهجية المختلفة، حيث شكل الخبر والنادرة والحديث والشعر والحكمة والمثل… زادا رئيسيا لمفاصل التحليل المعرفي والسياسي في كتب من قبيل “سلطانات منسيات”، “شهرزاد ليست مغربية” و”الحريم السياسي”…

ربما لأن فاطمة المرنيسي تنتمي إلى عينة من المفكرين والدارسين المغاربة ممن أنتجهم سياق ثقافي ووطني استثنائي، ونظام تعليمي كفل للكثيرين منهم تعميق معارفهم في حقول شتى، قد تبدأ باللغويات ولا تنتهي بالتشريع الإسلامي، وربما لأن ولعها الكبير بعوالم الحريم جعلها تغرق في اكتساب مهارات ذهنية وأدبية غير محدودة، لتجسد على الدوام ذلك الوجه المضيء لشهرزاد الذي تناسل عبر العشرات من الأسماء التراثية المدهشة في نسجها وتصريفها للغواية النورانية الرفيعة.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر