الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

العراق: ترقيعات بدائية في عصر الكاميرات

في عصر الكاميرات، الممثلون العراقيون في السياسة لا يصلحون إلا لأدوار الكومبارس وهم غائبون، وإن حضروا.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/12/05، العدد: 10118، ص(8)]

لا نخطئ إذا وصفنا حاضرنا بزمن الكاميرات والصور والأفلام، ويبدو أن متغيرات حاسمة طرأت في السياسة والسلوك، لأن الانطباع الأولي للتصرف هو الرقابة، تسجيلاً وتوثيقاً وانتشاراً وتداولاً، بمعنى آخر أن الشخصيات التي تتصدر الواجهات في حياة الشعوب والأحداث تقع ضمن حيز الرقابة التاريخية ومقاصد الخطاب.

ما جرني إلى هذه المقدمة، انفلات تصرفات حكام العراق وانغماسهم في إرضاء مِللهم، كل بسقوطه في فخ إرضاء عامة الناس، من يعتقد أنهم قاعدته الانتخابية. وعلى ضيق هذا الأفق هناك من يجازف بالتضحية حتى بناخبيه لإرضاء أصوات منفردة في حزب أو منبر، لأنه يعتبرهم واسطة ترويج مثالية وسط مجموعات وكتل بشرية تنقاد بسهولة أمام الضمانات الدينية المطلقة.

نتجاوز عيون العدسات وما تناقلته من هشاشة مفهوم الاستقلال أو السيادة وتدني الإعداد أو إدارة العلاقات العامة، وقصور للخارجية العراقية في توفير مناخ مناسب للوفود الرسمية في المؤتمرات المهمة.

من المفيد أن نعيد إلى الأذهان حقيقة أن الشعوب والدول التي يتم احتلالها بغزو خارجي لا تستفيق من صدمة فقدان كرامتها لسنوات طويلة، لكن مع ذلك ينبري بعض الأفراد لإعادة تشكيل الجانب النفسي للبناء عليه، ويكون باسترداد الروح القومية للأمة والشعور بالفخر الوطني، بما يرمم الانهيارات الكبرى وإعطاء الأمل في التغيير فرصة للتقدم.

ولأن وجهتنا فرنسا وارتدادات 13 نوفمبر، فلا بأس من تناول شخصيتين مختلفتين من تاريخها الحديث، الأول الرئيس فرانسوا ميتران، المثقف والإنسان والقارئ الجيد لسيرة أمته، ماذا فعل في أول نشاطاته بعد دخوله قصر الإليزيه؟ ذهب لزيارة قبور الخالدين من قادة فرنسا التاريخيين، وكانت الرسالة واضحة في أبعادها ورمزيتها داخل فرنسا وخارجها، وضمن سياق مجد الأمة الفرنسية بما ذكر الناس والعالم بقوة تستمد شرعيتها من منجزها الحضاري وثورتها التي فتحت مفاهيم الحرية والنضال من أجل إرساء قواعد حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

الرئيس الثاني فاليري جيسكار ديستان، عندما تسلم منصبه ولنزوعه الاجتماعي، توجه إلى إيصال رسالة اطمئنان لشعبه عندما استدعى مجموعة من العمال البسطاء للجلوس معه على مائدة الغداء.

قادة العراق ينتحرون، يطلقون النار على شعوبهم وعلى مستقبل بلادهم وعلى أنفسهم ولن يكونوا رجالاً تاريخيين في حياة وطن حكموه كالغرباء، بل أشد جهلاً، لأنهم بيوض فقست في حاضنات إما أجنبية معادية وإما غير مبالية إلا بمصالحها وإما في سراديب الكراهية ويقينها المطلق بتوجهها.

جرد لما أدلى به وزير خارجية العراق إبراهيم الجعفري بعد باريس 13 نوفمبر، وفي تصريح مصور أكد فيه أن العراق وبناء على معلوماته الاستخباراتية حذر الفرنسيين من الهجوم قبل وقوعه، وأضاف أن “معلوماتنا تشير إلى استهداف فرنسا وإيران وأميركا بعمل إرهابي”، ولم يكن هناك رد فرنسي على تلك المعلومة التي يفترض أن تكون خطيرة ويتم معها التعامل بجدية، الجانب الفرنسي وفي إجابة هامشية في مؤتمر صحفي أمني قال: تردنا تحذيرات مستمرة من مختلف دول العالم، واكتفى بذلك. المدهش أن طهران حاضرة بين فرنسا وأميركا في التهديدات الإرهابية، حسب الخارجية العراقية. تفسير ذلك أن طهران لا يمكن اختراقها رغم أنها في قلب الصراع جغرافياً وسياسياً وعسكرياً، وأيضا المكشوف عقائدياً في إرهاب داعش أنها تستهدف المشروعية المذهبية لنظام ولي الفقيه، وهو وجه الصراع المقابل في الحروب الجارية في المنطقة، لكن الإرهاب استهدف باريس البعيدة والمخترقة، ولكي لا ننسى كان رئيسها يعارض بقاء الرئيس السوري الحليف للنظام الإيراني في أي تسوية سياسية.

لماذا يضع وزير خارجية، وبالذات العراقي، دولة مثل إيران كدولة مستهدفة بين ثلاث دول، وهو يدري مع حكومته وأحزابها، أن إيران، يفترض وضمن منطق الصراع الحاصل، دولة مستهدفة بالحرب وليس بعملية إرهابية ضمن سقف الخرق الأمني.

يحضرني بيت شعر لشاعرنا أبي تمام حين يقول “نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأولِ”، ونحن نطالع رفض رئيس وزراء حكومة العراق نشر قوات أميركية خاصة لعدم الحاجة إلى قوات قتالية أجنبية على الأرض العراقية وأن ذلك لن يتم إلا بالتنسيق والموافقة من قبل الحكومة.

الرد الأميركي جاء مسرعاً من وزير خارجيتها جون كيري: بالطبع أبلغت الحكومة العراقية مسبقاً بإعلان الوزير أشتون كارتر (وزير الدفاع)، وطبعاً هذه مفردة تدل على أن الموافقة العراقية مسبقة والتصريح العراقي فقط لإرضاء الرافضين من الميليشيات التي لا تسمح لأي أجنبي بالقتال على أرض العراق، لأنهم لا يعتبرون القوات الإيرانية وقادتها أجانب، ويتجاهلون حجم التدخلات الأجنبية والخروقات الفاضحة لبقايا دولة.

كلمة “طبعاً” التي أطلقها كيري، موافقة آنية على منصة المؤتمر الصحفي الذي عقده في بروكسل، وهي تحصيل حاصل لحكومة أميركية الاحتلال والصنع والرعاية والمنشأ، وكل ما في الأمر أن الحبيب الأول الإيراني يتصدر قائمة العشاق للحزب الحاكم وحكومة المنطقة الخضراء وماركتها الأميركية.

على عادتها أميركا لن تتخلى عن كاميراتها في العراق ومخرجيها وكتاب سيناريوهاتها وأفلامها وأبطالها الخارقين الذين يبلغون 50 أو 100 من قواتها الخاصة.في عصر الكاميرات، الممثلون العراقيون في السياسة لا يصلحون إلا لأدوار الكومبارس وهم غائبون، وإن حضروا.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر