الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الزمن القتالي لدى داعش وأخواته

كما أن الزمن الداعشي يبنى على مفهوم الامتداد في الأمكنة المختلفة، فإن الزمن العسكري الوطني لابد أن يتأصل وفق معايير الاستباق.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/12/05، العدد: 10118، ص(9)]

تستثمر التنظيمات التكفيرية وعلى رأسها داعش في الزمن وفي التناقضات العسكرية والاختلافات السياسية وفي الهويات الناحرة والمنحورة معا. خلال السنتين الماضيتين برهن داعش أنّه تزاوج بين المكان والزمان القتالي، كان يدرك أنّ البون القائم بين المحاور الدولية والهوة السحيقة بين الحكومة والمعارضة في سوريا والعراق وأنّ “أنصاف الثورات” و”أنصاف المؤامرات” المشتعلة في أرض الشام والرافدين تمثّل وقود بقائه وتمدده الجغرافي واستدراره لمقومّات نفوذه في المنطقة.

الأكثر من ذلك أنّ داعش استثمر في الزمن القتالي بطريقة تمكن من خلق حديقة خلفيّة أولى في ليبيا لمعقله الأساس في سوريا يستطيع من خلاله المناورة والانسحاب في حال حصول إجماع دولي إقليمي لضربه.

وظف داعش اليد المرتعشة الأميركية والروسية والأيادي المتواطئة التركية والقطريّة لا لتوسيع حدود “دولته” المزعومة وللسيطرة على المخزون النفطي العراقي فقط، ولكن أيضا لإنشاء خطوط دفاع جديدة عن التنظيم التكفيري تكون بمقتضاه ليبيا الحاضنة الثانية للتنظيم في حال ضاقت سوريا والعراق بالمقاتلين التكفيريين وأجمعت القوى الإقليمية على عدم مهادنة التنظيم وليس حربه. ذلك أنّ أضعف الإيمان في الحرب على الإرهاب يكون بإقناع المستثمرين في الدمار العربي بعدم المهادنة مع التنظيم الإٍرهابي الذي بات وكيلا لأصيل إقليمي مسترخ في قصور إسطنبول وبلاطات أنقرة.

الشاهد أنّ الدول الكبرى التي باتت أقرب ما يكون إلى التفاهم على محاربة تنظيم داعش في العراق وسوريا وأصبحت على تماس من حل سياسي سوري يضمن بقاء الدولة واستمرارية المؤسسات، ستحارب البقية الباقية من جحافل الإرهابيين الذين دشنّوا مواسم الهجرة الداعشية إلى شمال أفريقيا عامة وليبيا خاصّة.

هنا تكمن قيمة الزمن القتالي لدى داعش من حيث تأمين قواعد خلفية تمكنه من الانسحاب الآمن إلى خطوط دفاع في جغرافيا مغايرة للجغرافيا السورية العراقية، ولكنّها بالتأكيد لها ذات ارتسامات المكان الشرق أوسطي من حيث الثروات الباطنية، ولها نفس التقاطعات الاستراتيجية من حيث الاستعصاء السياسي وغلبة السلاح على الإصلاح.

تؤكد الدراسات الاستراتيجية أنّ ليبيا باتت المعقل الأساسي للتنظيمات التكفيرية، وأنّ سرت أصبحت عاصمة التنظيم في شمال أفريقيا، ما يعني أنّ الزمن الذي استغرقه البحث عن التوافق الدولي لمحاربة التنظيم استثمره الأخير في خلق معاقل جديدة في مناطق لم تدرك بعد قيمة التوافقات الإقليمية في التنسيق والمجابهة، ولم تستكنه بعد ضرورة القفز فوق الاختلاف الأيديولوجي قصد تحقيق الائتلاف الوطني ضد الإرهاب.

بين التنظيمات التكفيرية ومواسم تغيير الجبهات القتالية قصة انطلقت من أفغانستان عندما اختار أسامة بن لادن تغيير مقرّ القاعدة من أفغانستان إلى باكستان بعد أن طوّقته الحوامات الأطلسية، وعندما كانت مقاتلات الشبح تغير فوق معاقل التنظيم في باكستان كانت “القاعدة” قد تحوّلت إلى العراق وأنشأت لها فرعين في اليمن والصومال.

ولما أعلن الغرب التعبئة ضد الجماعات التكفيرية في العراق، كانت الأخيرة قد أشعلت مواسم الهجرة إلى سوريا، وقبل أن تبدأ روسيا وواشنطن صياغة الحروف الأولى لاتفاق الحرب على “داعش” دشّن التنظيم الإرهابي عاصمته الجديدة وولايته في المغرب العربي، ومنها سينتشر التنظيم جنوبا حيث منطقة الساحل الغنية بالثروات الباطنية.

وكما أنّ الزمن الداعشي يبنى على مفهوم الامتداد في الأمكنة المختلفة، فإنّ الزمن العسكري الوطني لابدّ أن يتأصل وفق معايير الاستباق، فلئن كان الزمن القتالي الداعشي أسبق من زمن اللاعبين الكبار، فيجب أن يكون “الزمن” العسكري الوطني المغاربي أكثر سرعة من كليهما ولابدّ من قوّة إقليمية تتجاوز الخلافات البينية وتؤصل وفق قاعدة عسكرية عنوانها أن الحرب ضد داعش هي حرب وجود لا حرب حدود.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر