الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

مسارات جديدة في الخليج العربي

ما تصفه التقارير الغربية بالاندفاع هو عبارة عن إعادة رسم السياسة الخارجية لبعض دول مجلس التعاون والتخلي عن الحذر والتردد والمعالجات الهادئة للأزمات.

العرب سالم الكتبي [نُشر في 2015/12/06، العدد: 10119، ص(5)]

صدرت في الآونة الأخيرة تقارير ودراسات عديدة حول التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية لدول الخليج العربي. وأحدث هذه التقييمات ما ورد في التقرير السنوي لجهاز المخابرات الألمانية، الذي حذر مما وصفه بـ”جنوح” السياسة الخارجية السعودية إلى “الاندفاع”.

هذه التقارير تنطلق من حقائق ومعطيات واقعية، وإن كانت تصل إلى استنتاجات غير واقعية، فالسعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تحديدا تدركان ما يحيط بالمنطقة من أخطار وتحديات استراتيجية بالغة الخطورة. لذا فقد بدأت الدولتان في الإمساك بزمام المبادرة إقليميا سعيا وراء بناء حائط صد عربي قوي ضد الهجمة التوسعية الشرسة للمشروعات التي تريد بعض القوى الإقليمية فرضها وإجبار الجميع على التسليم بها والتعامل معها كأمر واقع.

منذ أن تباهي القادة والمسؤولون الايرانيون باحتلال أربع عواصم عربية لم يكن هناك بديل أمام أيّ عاقل سوى التدخل المباشر من أجل وقف هذا الزحف الطائفي الإيراني، لا سيما بعد أن بدأت طهران إحكام طوق الحصار الطائفي على دول مجلس التعاون عبر وكلائها في العراق وسوريا من الشمال وعبر الوكيل الحوثي في اليمن جنوبا.

ما تصفه التقارير الغربية بالاندفاع هو عبارة عن إعادة رسم السياسة الخارجية لبعض دول مجلس التعاون والتخلي عن الحذر والتردد والمعالجات الهادئة للأزمات إلى تبني استراتيجية جديدة تعتمد الدفاع الوقائي منهجا على الصعيدين السياسي والعسكري، وهذه الاستراتيجية نابعة من رؤية واعية لخارطة المصالح وشبكات التحالفات التي تتشكل في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها استراتيجية مرنة تتسم بقدر عال من الديناميكية والتفاعل مع الأحداث والمتغيرات السائدة إقليميا ودوليا.

هذا التحول في السياسات والاستراتيجيات لا يعبّر عن توجهات جديدة، ولا يعكس تخليا عن المبادئ والثوابت وأنماط العلاقات التي تحتفظ بها السعودية أو الإمارات أو غيرهما من دول مجلس التعاون، ولكنه يعد بالأساس استجابة لمتغيرات طرأت في مواقف القوى الكبرى وسياساتها حيال الإقليم؛ فلم يكن من المنطقي أن تظل سياسات دول مجلس التعاون على حالها عقب بروز متغير الاتفاق النووي الإيراني، الذي يعد الانعطافة الأهم في مسار العلاقات الإيرانية ـ الأميركية منذ قيام ثورة الخميني عام 1979، كما أنه لم يكن منطقيا أيضا الصمت على انقلاب جماعة طائفية موالية لإيران على الشرعية الدستورية في اليمن الشقيق، بما له من خصوصية وأهمية استراتيجية وما يجمعه بدول مجلس التعاون من علاقات تاريخية وصلات قربى وأواصر دم.

المسألة إذن لا علاقة لها بالاندفاع بل بالمبادرة الإيجابية ضمن استراتيجية دفاع وقائي محسوبة، وتوظيف موارد القوة الشاملة التي تتمتع بها دول مجلس التعاون في الحفاظ على مكتسبات ومقدرات ومصالح شعوبها بعد أن أيقنت هذه الدول أن الأمور تمضي إلى “صفقات” استراتيجية كبرى لتقاسم المصالح والنفوذ بين القوى الإقليمية ونظيرتها الدولية، وأن الصمت على ما يجري من حولنا سيكون بالغ التكلفة وينطوي على خسائر استراتيجية فادحة ويصعب تحمّلها.

ولا شك أن لهذه الاستراتيجية الخليجية الاستباقية الجديدة تكلفة، ولكل خطط ومبادرات حسابات تكلفة استراتيجية بطبيعة الحال، ومن يزعم بأن السياسات الجديدة لدول التعاون تعود بالضرر على الاقتصادات الوطنية، لا سيما في ظل تراجع المداخيل النفطية، ينظر من زاوية ضيقة بل لا يرى أبعد من تحت قدميه، فلو أن هذه الدول ظلت صامتة لأشهر أخرى على ما يجري من حولها لكانت التكلفة أفدح والخسائر التي تتحملها الاقتصادات على المدى البعيد أصعب وأخطر.

العبرة الحقيقية بأن دول مجلس التعاون، وفي مقدمتها السعودية والإمارات لا تطبق استراتيجيات هجومية، بل هي استراتيجيات دفاع وقائي عن مصالح هذه الدول ومن ثمة صون وحماية الأمن القومي العربي والخليجي. ولو افترضنا أن السعودية والإمارات قد التزمتا الصمت على ما يحدث للشعبين اليمني والسوري على يد جماعة الحوثي وميليشيات صالح وقوات الأسد وتنظيمات الإرهاب، فهل ينصف التاريخ قادة هاتين الدولتين وقد وقفا يتابعان ما يدور من حولهما دون أن يتحركا قيد أنملة للدفاع عن هذه الشعوب الشقيقة!

لا ينبغي أن ينسى أحد أن دول مجلس التعاون تسعى من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن منذ أحداث عام 2011 عبر المبادرة الخليجية، التي اعتمدت انتقالا سياسيا هادئا للسلطة وحافظت على الدولة من الانهيار كما حدث في دول عربية أخرى وقتذاك، ولكن طهران كان لها رأي آخر، وسعت إلى استنساخ الفوضى التي أنتجها وكلاؤها في العراق وسوريا في اليمن الشقيق، وتباهى مسؤولوها بما يفعلون علنا وأمام وسائل الإعلام العالمية وفي مناسبات مختلفة.

أدرك تماما أن العواصم الغربية قد بدأت تشعر بقدر من القلق والتوجس حيال سياسات المبادأة والمبادرة التي باتت تنتهجها بعض دول مجلس التعاون حفاظا على مصالحها، وربما ترى فيها نوعا من السلوك غير المعتاد في هذه المنطقة من العالم، ولكن ما يدركه الجميع بالفعل أن هذه السياسات هي بالأساس ردة فعل منطقية وطبيعية تستهدف حماية مصالح الشعوب الخليجية.

الشرق الأوسط بشكل عام يمر بلحظة تاريخية ولم يكن من الحصافة والحكمة أن تتمسك دول مجلس التعاون بالسياسات القديمة المعتادة، فهي سياسات كانت من إنتاج ظروف ومتغيرات معينة وكان لها إيجابيّاتها في تلك الظروف، ولكن تغير الواقع يملي ضرورة إحداث تحول في الاستراتيجيات والمواقف بما يتناسب مع معطيات المرحلة الراهنة ويحافظ على مصالح هذه الدول.

كاتب إماراتي

سالم الكتبي

:: مقالات أخرى لـ سالم الكتبي

سالم الكتبي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر