الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

'الفناء' الأرض تعيش تراجيديا البقاء أمام اجتياح سلالات فتاكة

  • عندما يلحق بالكائن البشري تطور ما غير متوقع ولا محسوب، ويستمر حتى يتمّ إنتاج سلالات فتاكة تجمع ما بين الضواري والكائنات البشرية، عند هذه اللحظة الحاسمة لن يكون أحد في منأى عن مشاهد الخراب التي تضرب سكان الكوكب الأرضي، مخلّفة وراءها ذلك العالم الديستوبي المخيف الذي طالما عجّت به كتب وأفلام الخيال العلمي، لكن تلك التراجيديا غير المسيطر عليها، أتراها ستصل إلى منتهاها؟ أتراها أصلا تملك أهدافا تجاه الجنس البشري؟ أم أنها عملية تطور عشوائي لجينات وفيروسات غير مسيطر عليها أدّت إلى ما أدّت إليه من كوارث؟ هذه الأسئلة يجيب عنها فيلم “الفناء” للمخرج ميغيل فيناس.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/12/07، العدد: 10120، ص(16)]

خيال علمي يقتحم عوالم افتراضية بمواصفات كابوسية

يسير فيلم “الفناء” للمخرج ميغيل فيفاس (إنتاج 2015) في مسارات مخيفة للديستوبيا، مستكشفا عالما افتراضيا- كابوسيا لا تستطيع الإحاطة به بسهولة، فمن صنع هذه الديستوبيا ومن يتحكم فيها؟

ربما هي أسئلة لا مكان لها في أذهان المتبقين من البشر المحشورين في أحد الباصات الكبيرة بقصد إجلائهم من جائحة أصابت بلادهم ومدنهم، كما أصابت العالم بأسره، والمشرفون على الإجلاء هم عسكر أميركان مدججون بالسلاح وحريصون على أداء مهمتهم كاملة في إنقاذ هؤلاء المدنيين.

ومع ذلك ماذا لو كانت هنالك ثلة أخرى من العسكر في الانتظار، وهؤلاء قد تحولوا دون إرادة منهم إلى كائنات كانيبالية من جرّاء تعرضهم إلى هجمات من كائنات شبه بشرية متحولة جينيا من مصاصي الدماء وآكلي لحوم البشر، لتنتقل العدوى تباعا ويتم الإجهاز على السواد الأعظم من البشر من جراء ذلك.

هذه المشاهد المروّعة ستخلّف بعد عقد من السنين حقائق مأساوية، العالم غارق في زمن جليدي لا تعرف له حدود، مشاهد متميزة تم تصويرها بعناية وسط ذلك العالم المتجمّد، بياض كامل تمرّ به كتلة سوداء.

السائر في المتاهة هو أحد الناجين باتريك (الممثل ماثيو فوكس) بشعره الطويل ولحيته الكثة، ولنا أن نتخيل حياته متنقلا على زلاجة ثم يمضي ليله في مخاطبة أي ناج على سطح الأرض عبر إذاعة محلية صغيرة.

محبط وحزين ذلك المكافح العنيد وليس سواه وجاره جاك (الممثل جيفري دونوفان) وطفلته التي هي أمانة في رقبته، وعليه المحافظة عليها حتى يخوض الجاران صراعا متجددا ضد حشد من الكانيباليين الذين لا تنفع معهم كل التحصينات التي أقاماها وأعداد تلك الكائنات التي قاما بقتلها، وهي تنشر أصواتا تشبه أصوات أبناء آوى في ذلك الكون البهيم والمقفر. في إطار تلك الشخصيات المحدودة والأماكن النادرة تبنى دراما متصاعدة تقودها الشخصيات الثلاث، نزعة الطفلة لو للاكتشاف هي نفسها التي تعتمل في قرارة جاك للتأكد ممّا إذا كان هنالك مزيد من الناجين، فيما القصة بالنسبة لباتريك هي التأكد من انقراض الكانيباليين الوحوش وعدم وجود أيّ تحدّ منهم.

في المقابل تتشظى الدراما لاحقا لدى انكشاف حقيقة التاريخ الحزين بين باتريك وجاك، ولكون هذا الأخير مجرد حاضن للطفلة بينما باتريك هو أبوها الحقيقي الذي سبق له وأن أجهز على أمها في لحظة سكر شديدة إبان مطاردة الوحوش.

السرد الفيلمي المفعم بالحيوية ودقة الأداء وتفاعل الشخصيات في ما بينها هو سرد معمق لكشف فصول تلك الديستوبيا والعالم الذي فتكت به الوحوش، فبقيت الأسواق العامرة خاوية على عروشها، ثم المضي قدما في بحث الإنسان عن التلاقي مع الإنسان حتى تصبح تلك غاية وعطشا مقيما حتى العثور على إحدى الناجيات لتروي مأساتها.

في المقابل هي دراما قطع أنفاس ولا سيما في القسم الأخير بعد تحصن جاك وباتريك وتلك المرأة، فالمنزل الذي احتموا به سيشهد فصول صراع دام مع الكانيباليين تم استخدامه مكانيا ومونتاجيا على نحو متميز، الصراع كان يجري على ثلاثة مستويات وطبقات توزع عليها الأشخاص الأربعة الناجون والمستهدفون، وكلما داهم وحش من الوحوش المكان ليحشد أتباعه وقعت مفاجأة أخرى حتى وصول أصوات بعيدة من ناجين بشريين آخرين، وعلى هؤلاء الأربعة أن يلتحقوا بهم، لكن باتريك سيضحي بنفسه من أجل أن يجد الثلاثة فرصة للنجاة والخلاص.

بني الفيلم على سيناريو متميز وهو في الأصل مأخوذ عن رواية من تأليف خوان غاردونو فيما شارك المخرج في كتابة السيناريو، إذ بني على دعامات أساسية أذكت قوة الصراع وأنتجت سردا فيلميا متنوعا، وحتى الإحالة إلى المستقبل قدمت فصولا أخرى من تلك التراجيديا العميقة.

وأضافت أيضا العناصر المونتاجية واستخدام المؤثرات والموسيقى أبعادا جمالية أخرى على الرغم من اختلاط الخيال العلمي بمشاهد الرعب وبشاعة الوحوش الضارية المتطورة جينيا، إلاّ أن القسم المتعلق بفناء الأرض وغرقها في ذلك الكابوس الثلجي المروع، بقي محورا أساسيا وأرضية درامية تمّ البناء والتأسيس عليهما بشكل متقن مصحوب بأداء وحوارات وانتقالات مكانية ومونتاجية على درجة من الإتقان والتميز.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر