الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

ترشيح فرنجية ينهي 8 آذار… و14 آذار أيضا

انتخاب فرنجية إيذان بنهاية 8 آذار و14 آذار، وإن لم ينتخب فالنتيجة هي ذاتها، مع زيادة في منسوب خسائر 8 آذار التي ستفقد فرصة انتخاب رئيس من صلبها مع استمرار تفككها من الداخل.

العرب علي الأمين [نُشر في 2015/12/08، العدد: 10121، ص(9)]

الأيام السابقة رسّخت حقيقة انخراط رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري في تسوية لم تتضح معالمها بعد سوى أن الوزير السابق وأحد أبرز خصوم الحريري وتيار 14 آذار سليمان فرنجية سيكون رئيسا. وهو ما زاد من إرباك قوى 14 آذار التي بدت غير منسجمة حيال هذه النتيجة التي وصلت إلى الجميع بأن فرنجية مشروع جدي للرئاسة، لا بل بدت ماكينة تيار المستقبل السياسية والإعلامية ملتزمة بما قاله زعيمها، رغم الأصوات المعترضة التي يجري ترويضها بمنعها من الذهاب بعيدا في رفض هذا الترشيح. خصوصا بعدما خرجت أصوات اعتبرته مناقضا للمنطق السياسي الذي لا يمكن أن يصل إلى حدّ تبني ترشيح الخصم.

على أن قوى 8 آذار لم تكن أفضل حالاً، فإعلان الحريري نزل كالصاعقة على بعض أركان هذه القوى، التي بدا أنها لم تكن في أجواء هذه الخطوة التي حيكت بين الحريري وفرنجية، وبتنسيق إقليمي ورعاية دولية كان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أحد مفاصلها، هو الذي استقبل الحريري قبل أيام، وتبعه باتصال بالمرشح الجدي فرنجية وبرأس الكنيسة المارونية البطريرك بشارة الراعي، الذي بدا متحمسا لهذه الخطوة باعتبارها النافذة التي يمكن أن تطوي نحو عام ونصف العام من الفراغ الرئاسي في أرفع منصب في الدولة اللبنانية ولدى المسيحيين في الشرق.

سرقة موصوفة

مرشح 8 آذار العماد ميشال عون بالتأكيد ليس مرتاحا لما يعتبره “سرقة حقّ له”، ولو كانت السرقة “من العبّ للجيبة”. العقدة التي تحول دون اكتمال عقد تأييد فرنجية على ما تشير الوقائع، تكمن في موقف العماد ميشال عون الذي يعتبر أن ورقة التفاهم التي جمعته مع حزب الله في العام 2006 كانت في جوهرها تقوم على مقايضة بين أمرين؛ الأول أن يوفر الجنرال عون غطاء مسيحيا لسلاح حزب الله، وهو ما نفذه والتزم به طيلة السنوات الماضية، في مقابل أن يخوضا سويّا معركة وصول الجنرال عون إلى سدة الرئاسة الأولى، وهو ما لم يتحقق حتى الآن. لكن عدم تحقق الرئاسة لعون ليس ناشئا عن تقصير من حزب الله، بقدر ما هو عجز حزب الله عن تحقيق هذا المطلب المشترك بينهما. ذلك أن العماد عون، كما حزب الله، يدرك أن وصول حليفه إلى الرئاسة يتطلب انتصاراً إقليمياً يحققه النظام السوري في مواجهة الثورة السورية، وسوى ذلك لم يكن ليتيح تحقيق حلم الجنرال عون. فالرهان على وصول عون إلى سدة الرئاسة الأولى كان رهانا عسكريا أي يقوم على شرط كسر الطرف الآخر، وهذا الرهان على ما يبدو قد سقط.

في المقابل، وعلى الرغم من إشارة بعض الأوساط إلى دور رئيس مجلس النواب نبيه بري والنائب وليد جنبلاط في تبني خيار فرنجية للرئاسة والعمل على تسويقه، فإنّ مصادر مطلعة في باريس تحيل هذا التطور إلى جهد فرنسي-إيراني بالدرجة الأولى وبمباركة أميركية، في سياق التمهيد الجدي لحوار إيراني-سعودي يبدأ من حلّ في لبنان واليمن، ويمهد للحل في سوريا.

حزب الله ليس بريئا من صفقة فرنجية التي ما كانت لتعلن لولا الموافقة الإيرانية، بل ربما هي مطلب إيراني قبل أن تكون اقتراحا حريريا

جعجع: طبخة سم

في المقلب المسيحي ليس الأمر أفضل حالاً، فالقوات اللبنانية لا يمكن أن تقرأ هذه الخطوة إلا باعتبارها خروجا على شروط التحالف ومقتضيات الحد الأدنى من التنسيق بين قوى 14 آذار، وبالتالي رفض الدكتور سمير جعجع الذهاب إلى باريس حيث جرى إعداد “طبخة السم”. وهذا مؤشّر على أنّ دائرة الاعتراض المسيحي ليست هيّنة حتى الآن، وقد تكون مرشحة للتصاعد في الأيام المقبلة، فيما أبدى حزب الكتائب الذي التقى رئيسه سامي الجميل الحريري في باريس قبل أيام، موافقته على ترشيح فرنجية بعد عودته من باريس. لكنّه اشترط ليصبح هذا التأييد ناجزاً أن يتبنّى فرنجية موقفا واضحا من مستقبل سلاح حزب الله، ومن علاقة لبنان بالنظام السوري.

فيما بدأ المقربون من جعجع في اليومين الماضيين يتحدثون بصراحة في ردّ على تجاوز الحريري لجعجع، أنه إذا كان الخيار بين فرنجية وعون فإن القوات اللبنانية ستنحاز إلى عون في انتخابات الرئاسة. وهذا ما طرح احتمال تشكل حلف مسيحي وازن في مواجهة ترشيح فرنجية سيحرج حلفاء عون ولا سيما حزب الله الذي لا يزال يؤكد التزامه بتأييد عون، مع عدم رفض ترشيح فرنجية. علما أن حزب الله ليس بريئا من صفقة فرنجية التي ما كانت لتعلن لولا الموافقة الإيرانية، بل ربما هي مطلب إيراني قبل أن تكون اقتراحا حريرياً.

ابحث عن النفط

في كل الأحوال يواكب اقتراح سليمان فرنجية للرئاسة معركة موازية على محاصصة النفط. إذ ثمّة سبع شركات طامحة لنيل حق استخراج النفط في المياه الإقليمية اللبنانية تجري عملية تقاسمها بين القوى السياسية الفاعلة، وهي دخلت في معركة المقايضة على الطريق إلى قصر الرئاسة. إذ يعلم المتابعون أن الذي يدير معركة فرنجية الرئاسية هو أحد رجال الأعمال اللبنانيين المغتربين الذي يعمل في قطاع النفط في أفريقيا، وهو الذي نظّم لقاء الحريري وفرنجية في باريس، وهو الذي يطمح لأن يدير عملية استثمار النفط في لبنان ومحاصصتها، والذي يشاع أنّه سيكون وزيرا في حال صار فرنجية رئيسا.

مهما قيل عن تبني سعد الحريري لترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، فإن ذلك لن يقلل من حقيقة أن قوى 8 آذار نجحت في فرض مرشح منها لرئاسة الجمهورية، وليس أيّ مرشح بل أهم صديق وحليف لبناني للعائلة الحاكمة في سوريا، ومن أبرز الموثوقين من قبل حزب الله لجهة التزامه بـ”خط المقاومة”، ومن أبرز الداعمين لبقاء سلاح حزب الله وعدم المسّ به. وإذا نظرنا في ما يقوله مسؤولو حزب الله في حليف حزبهم فرنجية، لقلنا إنّ فرنجية هو النموذج الذي يريد حزب الله أن تحتذيه القيادات اللبنانية في مواقفها السياسية وفي علاقاتها وتحالفاتها. بالتأكيد ينافسه على قلب السيد حسن نصرالله العماد ميشال عون الذي لا يقل وفاءً وإخلاصا لما يسمى “خط المقاومة” ولسلاح حزب الله.

التنافس الرئاسي اليوم بين أيّ من حليفيْ حزب الله يصل إلى الرئاسة الأولى، وأيّاً كانت النتيجة فإن الخسائر هي الحصيلة في معايير صمود الاصطفافات القائمة منذ عشر سنوات، تصدع على جبهة 8 آذار، والمزيد من الافتراق بين قوى 14 آذار. انتخاب فرنجية إيذان بنهاية 8 آذار و14 آذار، وإن لم ينتخب فالنتيجة هي ذاتها، مع زيادة إضافية في منسوب خسائر 8 آذار التي ستفقد فرصة انتخاب رئيس من صلبها مع استمرار تفككها من الداخل.

كاتب لبناني

علي الأمين

:: مقالات أخرى لـ علي الأمين

علي الأمين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر