السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

القانون والضمير.. القرآن والسلطان

إذا تأسست 'الدولة'، فلا مجال لكهانة دينية أو عسكرية، لا موقع لمرشد أو زعيم ملهم يمنّ على الشعب الذي يمنحه راتبه، مقابل وظيفة مؤقتة بالضرورة، ومشروطة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/12/08، العدد: 10121، ص(9)]

من المقولات الدالة التي انتشرت، مع صعود اليمين الديني بعد ثورة 25 يناير، أن المصريين إذا خُيّروا بين الدولة الدينية والدولة العلمانية، فسوف يصوتون للأولى ويذهبون للعيش في الثانية. تحوير لكلام علي الوردي، يؤكد ازدواجية ترضي ميولا دينية فطرية، ولا تتنازل عن الطموح الإنساني إلى حياة أكثر عدلا وآدمية ستهدر في ظل حكم اليمين الديني، ولن يحققها إلا كيان “الدولة” التي لا يصح أن توضع بعدها إلا “نقطة” لتنتهي الجملة. فلا يصح وصف الدولة بأنها دينية أو كافرة أو علمانية. إما “الدولة” وإما الكارثة. إذا تأسست “الدولة”، فلا مجال لكهانة دينية أو عسكرية، لا موقع لمرشد أو زعيم ملهم يمنّ على الشعب الذي يمنحه راتبه، مقابل وظيفة مؤقتة بالضرورة، ومشروطة.

بعد الثورة، كان الخلط متعمدا وخبيثا بين “سلطة الدول” و”الضمير”.. بين “القانون” و”القرآن”. لم يكن للفكر العقلاني رصيد جماهيري يؤهله لإقناع عموم الناس بمفهوم “الدولة” التي ليس لها دين؛ وأن الجهاز الإداري القانوني القضائي للدولة، وظيفة احترافية محايدة، لا ينطلق من التمييز بين فئات المجتمع أو مذاهبه أو أديانه، ولكنه يرعى شؤون “المواطنين”. مئة عام من انتشار المدارس، وافتتاح الجامعة المصرية عام 1908، والملايين من الكتب والصحف، والعشرات من الأحزاب والجمعيات والإذاعات والقنوات الفضائية، هُزمت أمام ميكروفون في أيدي حفنة سلفيين ينتمون إلى عصر ما قبل الدولة الحديثة.

في “غزوة الصناديق” هزم العقل، تراجع أمام جموع تستعيد أجواء بداية الحياة النيابية قبل نحو مئة عام، حين احتال أحد الخبثاء على العامة في دائرته الانتخابية، خدعهم وأفهمهم أن “الليبرالية” تعني الانحلال الأخلاقي، أن تتساوى المرأة بالرجل وتتزوج أربعة. وقال إن منافسه أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد “رجل ليبرالي”، فسألوا أبا الليبرالية: أنت ليبرالي؟ فأجاب: نعم، وهو لا يعي فخ التضليل والالتباس، ولم ينجح. ولكن هامشا وطنيا عقلانيا سمح آنذاك بفوز مسيحيين في دوائر ذات أغلبية تصويتية من المسلمين. وفي الانتخابات البرلمانية في نوفمبر 2015، وسط التجاذب الطائفي، تباهى البعض بفوز سمير غطاس، من الجولة الأولى، استثناء لا يقارن بما شهدته انتخابات عام 1924 وقد فاز فيها 15 مسيحيا في مجلس النواب من الجولة الأولى، كما فاز 17 مسيحيا في انتخابات مجلس الشيوخ بالبرلمان نفسه. وفي العام التالي -إذ جرت انتخابات بعد استقالة حكومة سعد زغلول بسبب اغتيال سردار الجيش المصري في السودان- نجح 14 مسيحيا من الجولة الأولى، وألغى الملك نتائج الانتخابات لكي يفوت فرصة تشكيل الحكومة على حزب الأغلبية “الوفد”، وأجريت انتخابات عام 1926 وفاز فيها 16 مسيحيا يمثلون 7.5 بالمئة من أعضاء المجلس. (لا مجال هنا للتوقف أمام الرفض الملكي المتكرر لنتائج الكثير من الانتخابات، وردود أفعال سعد زغلول ومصطفى النحاس بأداء سياسي وطني مسؤول يتجنب اللجوء إلى إصدار أوامر للشعب، الذي منح حزب الأغلبية ثقته، بالاعتصام المسلح في الميادين، ومواجهة تعنت الملك بإعلان الحرب، وسفك الدماء دفاعا عن “الشرعية”).

في غياب المؤسسات يصبح للشخص دور أكبر في بناء الدولة، وفي خرابها أيضا من حيث لا يدري. ولا عاصم للناس من هذا شطط يبلغ درجة الجنون إلا بوضع قوانين بشرية يسهل الاحتكام إليها. وبقراءة سريعة لبعض مواقف التاريخ يسهل القول إنه لا يمضي بشكل تصاعدي تتراكم فيه التجارب والخبرات الإنسانية، وكثيرا ما يحدث النكوص.

وعى أبو بكر الصديق أنه بانقطاع الوحي يستوي الحاكم والمحكوم، في الاحتكام إلى سلطة العقل، لا حاكمية لغيره، فأعلن “إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني”، ولكن عثمان بن عفان الذي قال “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، هو الذي واجه الغاضبين بمقولة تخلط الدنيوي النسبي بالإلهي المطلق، ناسيا ما قاله سلفه أبو بكر عن شرط “التقويم”، وهو يساوي في زماننا الخلع والعزل والانتخابات المبكرة وطرح الثقة، واعتصم “الخليفة” بخطاب ديني بعد انقطاع الوحي، “لا أخلع لباسا ألبسنيه الله”، ولما كان الله غنيا عن العالمين، لا يتدخل في منح الملك لأحد، ولا نزع الشرعية عنه، فقد سالت الدماء ولم تنقطع إلى اليوم. وفاز بعقله ونقاء ضميره من اجتنب الفتنة، كما فعل سعد بن أبي وقاص ردا على دعوة الإمام علي بالتأهب للمسير إلى العراق، “اعطني سيفا يعرف المسلم من الكافر حتى أقاتل به معك”.

لا السيف يعرف مسلما من غير مسلم، ولا القانون أيضا. ولا تحتاج الإدارة إلى رجال صوامين قوامين، فالضمير يخص الله الذي يعلم السرائر، أما القانون فمجاله المحاسبة على الأداء في ضوء الخطأ والصواب، لا الحلال والحرام. ولا تختلف إدارة الدولة -في التشريع والتنفيذ والمراقبة- عن إدارة شركة أو قيادة سيارة يملكها سلفي لا يعهد بها إلى تقيّ محدود الكفاءة، بل يفضل عليه ملحدا أو كتابيا، وإن قال السلفي نفسه في لحظات صفاء، “هم يطبقون قواعد الإسلام، ولكنهم كفرة مصيرهم النار وبئس المصير”.

قبل اختبار اليمين الديني في الحكم، كانت نيات المصريين خالصة تبتغي وجه الله. ظنوا خيرا في السلفيين والإخوان، ثم تابعوا اتساع المسافة بين أقوال (مثل افتعال التقوى برفع الآذان في البرلمان) وأفعال بعضها مخل بالشرف. بدأت تناقضات اليمين الديني بتكالب نوابه، بمجرد دخول البرلمان، على الاستفادة من قروض مالية يمنحها البرلمان لأعضائه بدون فوائد. استحلوا ما كانوا يحرمونه أمس. لا بد من تجربة، وقد خرجنا منها جرحى، وربما يستمر النزيف بعض الوقت، هي ضريبة الاختيار بين التنظيم والدولة. كان عام الإخوان فاتحة خير، “يوم عرف الإنسان الشيطان كانت فاتحة خير… كانت فاتحة خير بغير مجاز وبغير تسامح في التعبير”، كما ذكر عباس العقاد في كتابه “إبليس”.

ذهبت السلطة الدينية، ولكن ظلالها تمتد إلى السلطة الحالية بسعيها إلى تحصين ضعف كفاءتها في إدارة الدولة باللجوء إلى مقولات ذات ظلال دينية، ومن هنا يمكن تفسير الهوس باستعارة شذرات من خطاب ديني بدلا من الجرأة على الاعتراف بالفشل، لأن الأسهل أن يعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي، في شهر الانتخابات (نوفمبر 2015)، عن سراب اسمه “لجنة تنمية الضمير”، ويبحث هذا الوهم مع بعض العلماء، في إعادة للخلط بين القانون الغائب والضمير الذي لا يعلمه ولا يسأل عنه إلا الله.

سلوك مشوش يخلط السياسة بالدين، في تذكر بالمقولة التي بدأت بها هذا المقال، وغيرها من السلوك الذي كان تجليا للكارثة أو مقدمة إليها.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر