الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الغيورون

يوجد من يحتكرون الثواب والأجر. يعتقدون أن كمية الثواب التي يمكن أن يجود بها الله محدودة وأن عليهم الاستئثار بالقسط الأعظم منها. يتصرفون وكأن أي أجر يصيبك إنما ينقص من حصتهم.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/12/08، العدد: 10121، ص(24)]

أعرف ناسا غيورين على الدين، لا بمعنى أنهم يذودون عنه ولكن بمعنى أنهم لا يريدون لأحد غيرهم أن يكون عنده دين، مثل الغيرة على العرض. لا يطيقون أن يروا صائما مصليا غيرهم. ولو رأوه سيجدون ألف مطعن ومطعن على صيامه ويسألونه بتشف منذ متى وأنت تصوم؟ وينقبون عن أي مثلب ليبطلوا صيامه. يبحثون عن أخطاء إجرائية بدأب ليفسدوا عليه تدينه. الهدف هو أن يخلص الدين لهم وحدهم. هؤلاء لا سبيل إلى إسعادهم سوى أن تدعي أمامهم أنك لا تعرف شيئا ولا تحافظ على صلاتك بل إنك لا تعرف كيف تؤدي الصلاة أصلا. حينئذ سيبتسمون ويحبونك ويربتون على كتفك قائلين بتسامح “لا عليك، لا عليك…”

وأعرف حقا صاحب مطعم عنده غيرة على أكله ولا يحب أن يأكله كل من هب ودب، يعني الزبائن. لا يطيق مشهد إنسان غريب يأكل زنود الخراف التي يطبخها مطعمه. صاحب المطعم هذا يسمح لبعض الزبائن بالأكل ولكن على مضض لكي يحقق دخلا. ولو تيسرت له سبل العيش لفتح مطعما يمنع دخول الزبائن تماما. وحده يتحرّك بين قدور الطبخ ويأكل ما يريد.

كل هذا موجود وأستطيع أن أسمي المذكورين بأسمائهم للتحقق من صدق الزعم.

ولا بد أنكم صادفتم سائق حافلة نقل عام يضيق ذرعا بالركاب. يحب حافلته ويريدها خالصة له ينطلق بها من موقف إلى موقف دون أن يحمل راكبا واحدا. وهناك طبعا كثيرون يغارون على المعرفة. تسعدهم رؤية الجاهل ويبتهجون برؤية الأخطاء. ينزعجون ويغضبون إن قلت أمامهم شيئا ينم عن معرفة. يقبلون معرفتك كمن يتجرع السم. المعرفة لهم والذكاء ملك يمينهم ومن يتجرأ على أن يحوز شيئا من هذا يعتبرونه معتديا آثما.

أيضا يوجد من يحتكرون الثواب والأجر. يعتقدون أن كمية الثواب التي يمكن أن يجود بها الله محدودة وأن عليهم الاستئثار بالقسط الأعظم منها. يتصرفون وكأن أي أجر يصيبك إنما ينقص من حصتهم وأنك تحصل على الأجر عدوانا واغتصابا وكأن أجرك مسحوب من رصيدهم.

لذلك يحاصر هؤلاء منابع الأجر ويتخذون الخطوات لدرئك عنه. يعرفون أن الإنسان مطالب بأن يرد التحية بأحسن منها أو يردها فقط. الرد بالمثل حد أدنى. الآية الكريمة تقول “وإذا حييتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها”. هم لا يملكون أن يملوا عليك كيف ترد لكنهم يملكون أن يصيغوا تحيتهم. لذلك يصيغونها بخبث بحيث لا تستطيع أن تحيي بأحسن منها فيحملونك على سلوك الحد الأدنى.

يصلون إلى ذلك بأن يحيونك قائلين “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته”. بماذا تجيب؟ لا تستطيع أن تقول “وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وهابي نيو يير” فهذا غير مسموح به إطلاقا. يعني هم يبلغون الغاية في السلام فيحصرونك في خيار الرد بالمثل. الـ”هابي نيو يير” ممنوع وهذا مؤكد. وهذه مسألة سئل فيها ابن عباس فقال “إن السلام ينتهي إلى البركة”.

وهكذا يبلغ اللؤم والاستحواذ على الأجر والثواب آفاقا جديدة.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر