الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

المسند

بات مفهوما أن يتحول المسند إلى مصحف ما دام كاتبه صاحب محنة، شيء شبيه في لغة اليوم، بكتابات معتقلي الرأي.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2015/12/09، العدد: 10122، ص(15)]

حين طرح رولان بارث قبل أزيد من ثلاثة عقود سؤال “هل الكلام نص؟”، كان مشغولا بمقامات المعنى، وبالتناقض المتأتي من الخلط بين المفهومين، بيد أن طرح السؤال مجددا، لا يلغي احتمالا راجحا، ضمّنه في غير ما موضع من كتاباته، مفاده أن النص قرين سوء النية في الغالب، إذ الكلام ينبغي أن يمضي إلى محوه الأكيد، بينما النصوصية قرينة مرض الاستمرار والانتشار، التي تبتغي البقاء بعد مضي صاحبها إلى لحده، أي أن تتحول إلى آفة، تتدخل في شؤون الآخرين الأحياء، بعد انصرام وقت الكلام المقترن بصاحبه، ولأن ذرائع الكلام كثيرة من الأدب إلى السياسة إلى العقيدة إلى الأخلاق، فإن الحديث المسترسل السقيم، والمصر على النشوء والارتقاء، بات يتحمّل النصوصية، بقصد الشر غالبا، إذ لا نصوصية دون شطط إنساني أو نزغ شيطاني.

وعندما جمع الإمام أحمد بن حنبل الأحاديث التي سمعها وحفظها بأسانيدها المروية في كتاب، لم يكن يتصور أن ما صنفه سيتحول إلى نص بصولة وصولجان، كان في اعتقاده أنه ألف مسندا يصل كلاما بأشخاص، اصطلح على تسميتهم في الأدبيات الدينية بالصحابة، استهدف أن يصل مروياتهم بالنبي (صلعم) الذي لم يقل يوما أنه خلف نصوصا، كان يتكلم ويمشي في الأسواق…

والشيء الأكيد أن المجهود الذي بذله ابن حنبل هو حفظ كلام وترتيبه بحسب قائليه، بيد أن ما ورد في كتابه كثيرا ما نسيه غيره أو تناساه، ممّن أدرك حكمة: أن الكلام ينبغي أن يقمع نزوات الشطط والزيغ. ويبدو أن هاجس ابن حنبل كان بلغة العصر نصوصيا، بغض النظر عن الصدق والكذب، وبصرف النظر عن نوازع الشيطنة والشر، كان يستهدف تخليف كلام شديد القسوة، له أثره النافذ، الذي لا ينتهي عند حدّ وصل اللفظ بناطقه، وإنما وصل نص بنص. ولأنه شخص مسكون بالجمع، والترتيب، واختزال النصوص في الدوالي المنقولة من سلف إلى خلف، كان من الممكن جدا أن يمضي بشكل عابر في التاريخ وفي الثقافة والعقيدة.

لكن ما جعل صاحب كتاب واحد مشكوك في قيمته، يمضي في إلهام مذهب عقدي مجنون بذاته له أسماؤه غير الحسنى العديدة، من السلفية إلى داعش، هو السبب ذاته الذي حوّل عبر التاريخ نصوصا ثانوية إلى منطلقات مؤثرة في الاحتراب الفكري، ثم وجود متلقين مستعدين لتأويل المحنة وسردياتها إلى نصوص، وفي هذا السياق بات مفهوما أن يتحول المسند إلى مصحف، ما دام كاتبه صاحب محنة، شيء شبيه في لغة اليوم، بكتابات معتقلي الرأي، التي كانت في بداياتها سرديات كلام تخبر العموم بقول مخصوص، قبل أن تتحوّل إلى نصوص مقدسة.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر