السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

يضع سره في 'غدي'

دارت الأفكار في رأس 'ليبا' وهو يبحث عن الأستاذ 'فوزي' مدرس الموسيقى الذي تتلمذ على يديه وجعله يعشق آلة البيانو ويصبح موسيقيا.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2015/12/09، العدد: 10122، ص(21)]

رزقه الله بابنتين جميلتين.. ولأنه كان يسكن في "حارة مشكّل" ذات القيل والقال التي لم تكن لتترك أحدا يعيش في حاله دون التدخل في أدق شؤون حياته.. فقد كان مضطرا لأن يخرس الأفواه بإصراره على مجيء أخ للطفلتين.. وإذ حملت زوجته وعلم بأن الجنين ذكر لم تدم فرحته طويلا حين صدمه خبر احتمال أن يولد طفله معاقا..

دارت الأفكار في رأس "ليبا" وهو يبحث عن الأستاذ “فوزي” مدرّس الموسيقى الذي تتلمذ على يديه وجعله يعشق آلة البيانو ويصبح موسيقيا.. وكان متيقنا من أن أستاذه سيضع النقاط على حروف حيرته: فهل يتخلص من الجنين فينجيه من العيش في معاناة واحتياجات خاصة؟ أم..؟ وينصحه الأستاذ قائلا “دع طفلك يلعبُ دوره في الحياة”..

يأخذ “ليبا” بنصيحة أستاذه ويعود إلى زوجته ليمنح ولده اسما قبل أن يولد.. ويرى "غدي" النور وهو طفل ناقص النمو.. طفل ما إن يكبر قليلا حتى يبدأ بالصراخ وبإطلاق الأصوات الغريبة وهو جالس عند الشباك.. فيضيق به سكان الحارة ويتشاءمون منه ويطلقون على ضجيجه صوت الشيطان.. ويقررون تقديم شكوى للبلدية لعلها تأخذ هذا الصبي إلى مؤسسة مختصة ترعاه وتخلّص الحي منه..

يرتعب الأبوان من فكرة أخذ طفلهما المسكين البريء الذي توسما فيه حسّا مرهفا يجعله ينصت للغناء والموسيقى فيبدو أشبه بملاك.. وأخيرا يتوصل "ليبا" إلى حل ينقذه من ورطته.. فيجمع سكان الحي ويزعم أمامهم أن ابنه قد نطق أخيرا وقال إنه يصدر هذه الأصوات لأنه لم يعد يجد في الحي إلا الشرور.. وبأنه سيكفّ عن ذلك ما إن يرعوي البشر وتصفى نواياهم ويكفون عن شرورهم.. وكان رهان الأب معتمدا على معرفته بكل أسرار الحارة وخبايا بيوتها..

تنطلي كذبة "ليبا"على أهل الحي.. وتبدأ عدوى الخير لتسري بينهم.. ويشكـّل “ليبا” بمساعدة صديقين قريبين خلية عمل متكاملة تلبّي طلبات المريدين.. فتنهال النذور على الملاك الصغير وعلى أهله.. وتتحول “حارة مشكـّل” بفضل ذلك الطفل المعاق بابتسامته البريئة من بؤرة للشر والنميمة والغش والخداع والعنصرية إلى مدينة فاضلة مصغرة.. ينعم سكانها بالمحبة والتكافل وفعل الخير.. ويصبح اسم الحارة “شارع غدي الملاك”..

وبعد عودة راعي كنيسة الحي من الفاتيكان يخبره "ليبا" بحقيقة أمر ولده.. فيطلبُ منه "أبونا" أن يعترف أمام الجميع بكذبته.. ويفعل صاغرا.. ولكن هيهات أن يصدقه أحد!.. بل يصرّ الجميع بأن “غدي” ليس سوى ملاك أرسله الله لهداية البشر!

ليست هذه قصة من التراث.. وإنما هي فيلم لبناني أبدع كتابته وتمثيل بطولته الممثل القدير "جورج خبّاز".. وأبدع في إخراجه "آمين درّة".. فيلم ٌأخذ عنوانه اسم "غـدي"..

وبدت أحلى عبارة يُختم بها هذا الفيلم الرائع حينما يتذكر "ليبا" ما قاله له أستاذه العجوز ذو اللحية البيضاء حين لجأ إليه ذات حيرة.. إذ يحدثه عن قصة الموسيقار الكبير موزارت.. الذي ولد بكلية واحدة وقلب ضعيف.. ويعقـّب على القصة قائلا "لو كان ثمة "إيكو" (أو سونار) في ذلك الزمن لربّما كانت البشرية قد خسرت إبداع موزارت!.. فدع ابنك يولد ويعيش ويأخذ دوره في الحياة.."

من يدري؟.. قد يضع الله سره في جسد طفل بريء معاق!

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر