السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

كبريت الفنان اللبناني سعيد بعلبكي غير قابل للاشتعال

  • هناك فنانون تشكيليون مهما ابتعدوا وطال غيابهم عن موطن أفكارهم الأول، لا يلبثون أن يعودوا إليه من خلال أعمال فنية جديدة ليقدموها في معرض فرديّ أو مشترك. البعض يجد في ذلك مراوحة ما، أما البعض الآخر فيرى في ذلك تأكيدا على النظرية التي تقول إن كل إنجازات أيّ فنان حقيقي، مهما اختلفت أشكالها، هي عوالم لا تُفتح أبوابها أمام الناظر إليها إلاّ باستخدام مفتاح واحد خاص بهذا أو ذاك الفنان دون غيره من الفنانين، غير أن لأعمال الفنان التشكيلي اللبناني سعيد بعلبكي مفتاحا واحدا ووحيدا، لم يتغيّر منذ سنوات.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/12/10، العدد: 10123، ص(16)]

هالة شبحية بالرغم من حضور الألوان

بيروت - مفتاح واحد طبع أعمال الفنان التشكيلي اللبناني سعيد بعلبكي منذ سنين، لم يتغير منذ بداية نشاطه على الساحة الفنية، وهو مُجسّد “بكوابيس الحرب اللبنانية”.

لم تغادر كوابيس الحرب ولو مرة واحدة مضامين أعمال بعلبكي التي تنوعت تجهيزا ورسما، وحفرا، لا بل على عكس ذلك، فقد قدّم كوابيسه أشكالا وأحوالا في عدة معارض سابقة نذكر بعضا من عناوينها: “أحزمة”، “في حقيبة” و”البراق”.

مؤخرا، قدم الفنان المقيم في برلين معرضا في صالة أجيال للفنون التشكيلية البيروتية، مجموعة عينات منتقاة من ثلاثة كتب منجزة بالطباعة الحجرية، أي الليتوغرافي.

ثلاثة كتب

الكتاب الأول بعنوان “ليتوغرافيا” مع تقديم للفرنسية فاليري كاشار، والكتاب الثاني بعنوان “وادي أبوجميل”. يجدر الذكر أن وادي أبوجميل هو منطقة في بيروت ترعرع فيها الفنان. والكتاب من تقديم غريغوري بوشاكجيان.

أما الكتاب الثالث فهو بعنوان “رحلة سعيد بعلبكي” أو “سعيد والقارب الصغير” وهو من تقديم الفنان التشكيلي السوري مروان قصّاب باشي الذي لفتت نظره موهبة الفنان سعيد بعلبكي، فواكبه في مسيرته الفنية ولا يزال إلى حدّ اليوم. ثلاثة كتب وأعمال فنية تحوم حول هواجس الفنان المتعلقة بالخراب والنسيان والذاكرة والهجرة. أما الأهم من ذلك فهو أن الفنان يقارب الحرب اللبنانية وكأنها وحش مُدمّى، أكثر مما هو دام، إذ لم يُقتل تماما ونسله مستمر إلى ما بعد اتفاق الطائف الشهير. وليس نسله إلاّ مسوخا تمتص شيئا فشيئا رحيق بلد اسمه لبنان.

وتجلى ذلك أكثر في المجموعة المستقاة من كتاب “وادي أبوجميل” وهي مشغولة بالأسود والأبيض. لأول وهلة قد يرى فيها زائر المعرض أبنية مُتصدّعة يخترقها الفراغ من كل جهة، ومع ذلك لا يلبث أن يتعرف على ما هي عليه فعلا، أو وفق ما أراد الفنان أن يراها الآخرون: أبنية قيد الإنشاء.

الفنان يجسد بتلك الأعمال الفترة التي تلت الحرب مباشرة، فترة عرفت باسم ورشة الإعمار. لا شك أن كل من واكب هذا الإعمار الواهي في أكثر من جانب سيرنّ هذا التعبير في أذنه خالقا ارتدادات عميقة للآمال المُخيّبة.

بعلبكي يلعب في لوحاته دور الممرض في قسم الطوارئ الذي يسكب على الجرح مادة اليود المعقمة فتبقيه شفافا

وفي المقابل هناك تفاؤل ما في هذه المُشيدات الهندسية وهي أنها تشبه أكواما من عيدان كبريت عجائبي. فهي من ناحية مُتفحّمة ومن ناحية ثانية صلبة غير قابلة للتفتت ولا إلى الاحتراق من جديد، شيء من هذا القبيل: لا خوف من الموت والموت قائم- حيّ يرزق، ورزقه من أسياد الحرب، أولادهم وأحفادهم.

هناك أمر آخر لافت في هذه المجموعة وهو للمفارقة، حسّ الحياة النابض فيها بالرغم من اللون الأسود الطاغي عليها، فثمة انقشاع فريد ينضح من كل الردم-المشيد أمام عيون زائري المعرض، ربما يعود ذلك إلى وضوح الرؤية التي ينطلق منها الفنان، إضافة إلى كونه بارعا جدا في تحويل أفكاره ومشاعره مهما كانت مجازية أو تجريدية إلى بناء بصريّ متين. الأعمال التي تنتمي إلى مجموعة “ليتوغرافيا” أتت تهجس بنفس المواضيع والأبنية غير بسيطة التركيب، ولكن الفنان أدخل إلى كل عمل منها لونا واحدا إضافة إلى اللون الأسود والأبيض.

والألوان المضافة هي: الأحمر، والأصفر، والأزرق، والأخضر، حتى في هذه الأعمال توجد مفارقة. فهي تتسم بهالة شبحية بالرغم من استخدام الفنان للألوان، وهي أقل حيوية من الأعمال التي تنتمي إلى مجموعة “وادي أبوجميل” الخالية من الألوان.

هدم مزدوج

يبدو سعيد بعلبكي في هذه الأعمال كأنه يزرع مفهوم الهدم المزدوج، فمن ناحية هي فعلا أبنية شبه مهدمة، ولكن من ناحية أخرى، هو يلقي عليها نظرته الهدمية الإضافية لتبدو على هذا النحو.

يبقى اللون في أفق تلك الأعمال عنصرا وحيدا يحاول أن يضيء الأماكن، ولكن جلّ ما يفعله هو لعب دور الممرض في قسم الطوارئ عندما يسكب على الجرح مادة اليود المُعقمة التي تبقي الجرح شفافا من تحت طبقتها.

من الواضح أن الفنان في أعماله هذه يملك يودا متطورا، إذ لديه أربعة ألوان منه، كان يُطلق على هذه المادة المتداولة بكثرة خلال فترة الحرب اللبنانية بالدواء الأحمر، وكانت له رائحة نافذة يستحيل نسيانها، وهي تحيل إلى الألوان التي استعملها الفنان في مجموعته تلك.

تبقى المجموعة الثالثة والتي هي استعادة لموضوع التهجير والهرب من ساحات المعارك. مجموعة سلبها الفنان ألوانها المعهودة في لوحاته الزيتية التي قدمها في معارض سابقة، فجعلها أشبه بأنصاب تصلح أن يستخلص منها مشاريع نحتية ضخمة تجسد الحرب اللبنانية، وربما أيضا حروب المنطقة المجاورة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر