الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

والد السجين أمام طواحين الشر

هونوري دوميي كان عرضة للاعتقال المتكرر بسبب رسوماته الكاريكاتيرية اللاذعة ضد الظلم والفساد.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/12/10، العدد: 10123، ص(16)]

اعتبرت معظم الدراسات التي تناولت رواية دون كيشوت دي لامانتشا أنها بداية لأدب الرواية الحديث. ربما ما يجعلها كذلك هو عدد التحولات التي طرأت على كيفية قراءتها منذ أن كتبها الأسباني ميغيل سيرفانتيس بين عامي 1605 و1615 حتى يومنا هذا، لا سيما من ناحية مقاربة الشخصية الرئيسية في الرواية، الفارس دون كيشوت، بداية من محاولة تصنيفه كشخصية هزلية، وصولا إلى اعتباره شخصية مأساوية وبطولية تقف ضد العالم بأسره في محاولاتها لإحياء مبادئ النبل والفروسية بعد اندثارها.

لعل إمكانية قراءة هذه الرواية خارج نطاقها الجغرافي والزمني هي من العوامل التي جعلتني أقيم صلة ما، بين حسين يوسف، والد الجندي اللبناني المخطوف محمد يوسف لدى تنظيم داعش، وبطل الرواية المأساوية دون كيشوت.

ويلعب أيضا الشبه الجسدي بين الاثنين دورا كبيرا جدا في ذلك، ولا سيما بعد أن تغذى القهر، خلال فترة لا تقل عن سنة وأربعة أشهر، على جسد وملامح الوالد دون أن يجرده ولو للحظة واحدة من نبله وشهامته أمام عالم نقيض، غارق في العنف والفساد إلى ما فوق رأسه.

ثمة صورة، لحسين يوسف، ظهرت له مؤخرا خلال يوم الفرحة غير المكتملة التي أطلق فيها سراح اثني عشر جنديا من أسر جبهة النصرة، وبقي تسعة آخرون في قبضة تنظيم داعش، من ضمنهم ابن حسين.

صورة مأساوية، انتشرت على شبكات التواصل، مأساوية بكل ما تعنيه الكلمة إنسانيا، وأدبيا وفنيا.

إنسانيا لناحية بقاء ابنه في الأسر، في حين حرّر آخرون بعد سلسلة من التهديدات بالقتل والابتزاز.

أدبيا لناحية ما قاله لحظة تحرر الجنود المخطوفين، فقد قال حسين يوسف “سأحتضن كل جندي محرر كما لو أنني احتضن ابني”.

فيا لنبل الجرح النازف بصمت! أليس ذلك من أهم مميزات البطل المأساوي الذي قرأنا عنه في أعظم الروايات؟ بيد أن ما يمثل أمامنا ليس برواية، ولكن حقيقة مُفجعة.

أما فنيا، فيكفي أن نشاهد أهم الأعمال الفنية التي جسدت دون كيشوت في لوحات للفنان دالي وبيكاسو ولا سيما في لوحة هونوري دوميي الفنان الفرنسي الشهير، لكي نعثر على أوجه الشبه التي لا تعدّ ولا تحصى بين الاثنين.

للمفارقة يجدر الذكر أن رواية دون كي شوت كتبها ميغيل سيرفانتيس وهو في السجن، أما الفنان هونوري دوميي فعرف عنه شغفه الكبير بشخصية دون كيشوت الذي تناوله في العديد من الرسومات.

كان الفنان عرضة للاعتقال المتكرر بسبب رسوماته الكاريكاتيرية اللاذعة ضد الظلم والفساد اللذين كانا سائدين في باريس.

يقول حسين يوسف في الشهرين الأولين لاعتقال ابنه محمد مع مجموعة من زملائه الجنود “أسرعوا في تخليص أبنائنا من السجون، لا تجعلونا نتحوّل إلى وحوش”.

أية وحوش تكلم عنها والد الجندي؟ فليس هنالك من وحوش إلاّ كل ما يقف خارج مأساته، وهو يقود حربا شعواء ضد طواحين الهواء التي تستمد خيالاتها بشكل حصري من لامعقوليتها؛ من جهة فإنه يقف بقامته النحيلة أمام عملاق اللامبلاة ومردة الفساد، ومن ناحية هو أمام وحوش القتل المجاني.

ربّما يكون حسين يوسف الناطق الدائم بلسان جميع الأسرى أقل ألما، وهو الذي حفظ الجميع ملامحه المتعبة والذي كان ولا يزال، حيث لا يكلّ ولا يملّ قولا وفعلا في ملف الأسرى، لقد كان شبيها بشخصية رواية “رحلة مع دون كيشوت” التي استوحاها الأديب توماس مان من رواية ميغيل سيرفانتس، إذ البطل ليس إلاّ فارسا مجرّدا من الأخلاق وهو شديد العنف وكثير الشر.

أقول: ربّما.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر