الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

لوبان والهويات الناحرة والمنحورة

لن يبقى للعقل الأسير سوى أن يختار بين يمين لا يخفي ما يعتقده، ويمين يغلّف أطروحاته بأفكار الحداثة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/12/10، العدد: 10123، ص(8)]

كثيرا ما تلتجئ الشعوب المهددة في قيمها وفي نسيجها المجتمعي ونموذجها الحضاري إلى محددات الهويّة في أعتى أشكالها الدغمائية والإقصائية بطريقة تتحوّل معها الهوية الجماعية إلى خط دفاع رمزي تستكين إليه الأمم المجروحة.

اختيار اليمين من الخارطة السياسية هو ردّة فعل حيال مؤثرات خطيرة محلية وخارجية، وهو أيضا تسجيل حضور جماعي بأنّ الأنا المشتركة لا تزال حاضرة في الوجدان والزمان والمكان، وبالتالي فهو ليس اختيارا من جملة الفرضيات الواردة ولكنّه الإجابة الوحيدة التي تجتبيها الشعوب عند وجود تهديدات حيالها. ولأنّ أكثر اليمين الأوروبي خاصة في سحنته الشوفينية بنى نفسه على التناقض مع الأقليات الوافدة أو الأصيلة، ولم يعمل على التأصيل لذاته وفق الهويّة الحضارية الجامعة لتعدد الثقافات الموجودة في الغرب، فقد حبس نفسه في أطروحات سياسية عنصريّة مركزية مع الذات، استئصالية مع الآخر الأمر الذي يجعل المقترع يجد في اليمين التجسيد الأوفى لمفاهيم الهوية القلقة.

وجد الفرنسيون في الجبهة الوطنية، بزعامة مارين لوبان، التناقض العكسي الفرنسي للتناقض المعرفي والسياسي الذي تطرحه التنظيمات التكفيرية التي ضربت البلاد مرتين على الأقل خلال 2015، ولئن كانت كل الأعمال الإرهابية تختزن في طياتها استقطابا رأسيا بين الأنا المقدسة، والآخر المُشيْطَن، فإنّ ردّة الفعل الحتمية لن تخرج عن إطار الانفعال الحيني وعن سطوة الاستفزاز النفسي للمقترع الفرنسي.

عاش الناخب الفرنسي على وقع 3 إكراهات نفسيّة وجهته إلى اليمين المتطرّف، أوّلها الدعاية الانتخابية التي تتمعّش بخطاب الكراهية وسياقات الخطر الداهم من الداخل، ثانيها مشاهد الإرهاب الضارب لأعماق العاصمة الباريسية، وثالثها حالة الطوارئ التي حشرته في سياق استثنائي وهو ما ترجمه الناخب الفرنسي بتصويت استثنائي.

بيد أن التحليل الميكروسكوبي الضيق للحالة الاقتراعية الفرنسية دون ربطها بالميكانيزمات التفسيرية الماكروسكوبية يحول دون الوصول إلى لب الإشكالية. ذلك أنّ السياق المعرفي والحضاري الحالي مطبوع بصحوة الهويات والقوميات سواء منها تلك الإثنيات الأقلياتية المنحورة، أو الإثنيات الجماعية الناحرة، والحقيقة أنّ إشكاليات اللغة والهوية والآخر والإعلام والفضاء العمومي ما هي إلا تمثيل عن صراع الهويات القائم وتراجع اليسار الذي بات رهين العمل النقابي الاحتجاجي بعد أن انصهر في ديباجات اليمين الليبرالي الاقتصادي.

اللافت أنّ اليمين بمعناه الهوياتي بات يتقدم حتّى في معاقل اليسار اللاتيني، ففي ذات الوقت الذي كانت فيه صناديق الاقتراع تسجل اكتساح أقصى اليمين في فرنسا، كانت الصناديق في فنزويلا توجه ضربة قويّة لمادورو وتتوّج اليمين الليبرالي منتصرا في الاستحقاق البرلماني، وهي ذات النتيجة التي جدّت في تركيا حيث يستوعب اليسار الجمهوري العلماني المقولات الكبرى لأتاتورك ويقدّم نفسه على أنه الوريث الشرعي للكماليّة، بيد أنّه عاجز عن فرض نفسه كقوّة برلمانية في البرلمان التركي مقابل اليمين المحافظ بقيادة أردوغان الذي تشير كافة الدراسات إلى أنّه سيتقارب مع اليمين القوميّ في الاستحقاق الدستوري القادم.

وصف النصف الأوّل من القرن العشرين بأنه فترة القوميات العنصرية في مقابل الإنسان، وتمّ اعتبار النصف الثاني من ذات القرن بأنّه حقبة الإنسان في مواجهة القوميات، أمّا النصف الأوّل من القرن الواحد والعشرين فيمكن اعتباره بأنّه زمن القوميات العنصرية والدينية في مقابل القوميات الأقلياتيّة، ما يعني مزيدا من التقوقع ومن استحضار الديباجات الدينية والمسوّغات الحضاريّة القائمة على الاستعلاء والاختيار.

لن يبقى للعقل الأسير سوى أن يختار بين يمين لا يخفي ما يعتقده، ويمين يغلّف أطروحاته بأفكار الحداثة، والأخطر من ذلك أنّ ما تبقى من اليسار ممثلا في الحزب الاشتراكي الفرنسي يدفع المصوتين إلى الاقتراع الناجع بين يمين ساركوزي وآخر لوباني. المدة القادمة ستكون ساحة للاحتراب والتصادم الحضاري. مع انتشار الدواعش جنوبا وصعود الجمهوريين في أميركا وأقصى اليمين في فرنسا وأوروبا، لن ينجو العالم من لعبة الهويات الناحرة والمنحورة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر