الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

من مستعربي أميركا إلى عرب أردوغان وبوتين

لبوتين وخامنئي وأوباما وهولاند وأردوغان الكثير من العرب يرفضون مجرد التحفظ على تجاوزاتهم في حق الأمة العربية المسلمة، لأنهم وبكل بساطة صاروا عربا بلا عروبة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/12/14، العدد: 10127، ص(9)]

كان لأفول المشروع القومي في المنطقة العربية، بسبب الاحتلال المباشر أو الغزو الناعم، ارتدادات فكرية ومعرفية وهوياتية أفضت لا فقط إلى صناعة “الأقليات” المتمردة في الشرق الأوسط، وإنما أيضا إلى تفتت المفهوم الهوياتي والانتمائيّ للفرد العربيّ بطريقة جعلته قابلا للانصهار في منظومات فكريّة تلغي وجوده باعتبارها تؤصل لنفسها وفق عبارة “ما بعد المشروع القومي العربي”.

كان لأميركا في وقت سابق ما يسمح لها من مقوّمات لسياسة “الحرير والحديد” الأمر الذي يجعلها تستقطب العقول العربية على وقع الصناعات الثقافية ممثلة في أفلام هوليوود تارة، أو على أصوات جلجلة الدبابات المسقطة للعواصم العربية تارة أخرى. وهي مقدمة أدّت إلى انهزامية حضارية واستسلامية سياسية أفضت إلى ظهور نخبة “فكرية” بالإمكان تسميتها بـ”مستعربي أميركا” وصل البعض منها إلى حدّ وصف أصوات صلصلة المقاتلات الأميركية وهي تدكّ بغداد بـ”سمفونية القرن الحادي والعشرين”.

كان العقل السياسي العربي، ولا يزال، عاجزا عن فعل الاستنهاض بعد إفشال المشاريع القومية وفشل “الدولة الوطنية” في إنجاز استحقاقات “الحرية والتحرّر” واستولاد “الربيع العربي” لاستنزاف الدول واستهداف المؤسسات وإحياء نعرات “ما قبل الدولة” سواء منها القبلية أو العشائرية أو الطائفيّة المقيتة. اليوم ومع تحويل الربيع العربي اللاعبين الإقليميين إلى ملاعب إقليمية، والفاعلين المحوريين إلى فواعل بهم من طرف “القادة القدامى والجدد” للعالم، تتجلّى في المشهد الاستراتيجي ظواهر سياسيّة هي في العمق تعبير عن أزمة المشروع ومشروع الأزمة في العالم العربي.

ذلك أنّه لا فقط تتحوّل الدول العربية إلى ساحات للمكاسرة الإقليمية بين روسيا وتركيا في المفصل السوريّ، وإنما يتحول الرأي العام العربي إلى تابع فكريا وسياسيا، ومصطفّ إلى أحد اللاعبين الأجنبيين والغريبين عن التربة والمشروع العربيّيْن.

عند غياب المشروع العربي الجامع أو الفكرة الإقليمية المشتركة أو الاستراتيجيا الوطنية القُطرية، تحضر اصطفافات ما بعد المصلحة العربية ويذوب الرأي العام بين “عرب أردوغان” و”عرب بوتين” و”عرب خامنئي” و”عرب أوباما” وهي تسميات تعبّر عن عمق معضلة الأوطان عندما يكون الانتماء متماثلا مع مشاريع إقليمية كبرى تقارب المنطقة العربية كجغرافيا للتوسّع وساحة للتمدّد. صحيح أنّ من حقّ الرأي العام أن يختار بين المشاريع الإقليمية الكبرى الأكثر مصلحة ومصالحة مع التاريخ والجغرافيا وفق أولويات الأوطان، ولكن عندما يكون الاجتباء دون قاعدة وطنية، أو يكون الاصطفاء على حساب تربة الوطن وهويّته يصبح الأمر ارتهانا للأجنبيّ حتى وإن كان الأخير كنيته “أبو علي بوتين” أو “حسين أوباما” أو خليفة المسلمين أو مرشدهم. هكذا تزداد الهوّة بين أبناء الوطن الواحد فبعد التناقض السياسي والعسكري والاثني ينضاف لقائمة التباينات التماهي مع المشاريع الأجنبية.

سوريا تعيش مكاسرة سياسية وإعلامية بين عرب بوتين وعرب أردوغان، ولبنان يعرف حربا “نصف باردة نصف ساخنة” بين عرب إيران وعرب أميركا، والعراق يشهد تناحرا بين عرب خامنئي وعرب أردوغان مشتدّا على خلفيّة التدخل التركي السافر في شمال العراق، وهي ذات الاصطفافات في شمال أفريقيا وخاصة في ليبيا على أنقاض التوسّع الداعشي في الغرب، بالتوازي مع تلميحات بالتدخل الروسي الذي يثير حفيظة تركيّا.

تلازمية عضوية هي الدولة الفاشلة والمشاريع الإقليمية والاستغراب الوطني والهزيمة الحضاريّة والإرهاب المعولم الذي يتدعّم بحقيقة الاستلاب الثقافي الذي تعيشه الكثير من المجتمعات المسلمة عبر طرح أجوبة شعاراتيّة صادمة بمتنها، جوفاء في جوهرها، عنيفة في تداعياتها. وطالما أنّ العقل السياسي العربي لم ينكب على تأصيل المشروع واستنبات المستقبل فإنّ لبوتين وخامنئي وأوباما وهولاند وأردوغان الكثير من العرب يرفضون مجرّد التحفظ على تجاوزاتهم في حقّ الأمّة العربية المسلمة، لأنهم وبكل بساطة صاروا عربا بلا عروبة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر