الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

أفول الدور المسيحي في لبنان

الدور المسيحي يتطلب رجالات لديهم رؤية لبناء الدولة ومتخففة من أثقال الصراع الإسلامي، وليست منهمكة في تكوين عصبية مسيحية في مواجهة العصبيات الإسلامية.

العرب علي الأمين [نُشر في 2015/12/15، العدد: 10128، ص(8)]

لم يفلح المرشح سليمان فرنجية بكسب تأييد حزب الله لانتخابه رئيسا للجمهورية، فالسيد حسن نصرالله أبلغ حليفه فرنجية أنه لم يزل على وعده لتأييد الجنرال ميشال عون للرئاسة الأولى، فيما أكد الرئيس نبيه بري أحد أصحاب صوْغ فكرة ترشيح فرنجية التي اقترحها الرئيس سعد الحريري، التزامه بالنزول إلى مجلس النواب مع حزب الله لانتخاب الرئيس، في موقف واضح بأنه لا يستطيع الخروج عن هذا التحالف، داعيا إلى تفاهم بين عون وفرنجية لبت من هو الرئيس.

على أن دائرة رفض تأييد فرنجية لم تقتصر على حلفائه، بل سبقها وواكبها رفض من قبل قيادات في 14 آذار ولا سيما القوات اللبنانية، التي أعلنت أخيرا أن القوات اللبنانية ليست مع انتخاب عون ولا فرنجية للرئاسة الأولى، بل هي مع خيار الرئيس التوافقي، في حين وهو يؤكد على أن القوات لن تنتخب عون، أشار القيادي في القوات وهبي قاطيشا إلى أن فرصة فرنجية للرئاسة تتطلب تأييد عون. وهو موقف يشير إلى أن الفرصة المتاحة لفريق 8 آذار للإتيان برئيس من فريقه متاحة بتبنيه فرنجية، مع تشديد القوات على رفضه.

سعد الحريري الذي أعاد حبال الود مع حليفه سمير جعجع، بعدما شهد الأسبوعين المنصرمين حملات متبادلة بين أنصاريهما على خلفية مبادرة الحريري اقتراح فرنجية للرئاسة الأولى، وربما أن عودة الود تعود إلى تراجع فرص فرنجية بعدما رفض من حلفائه قبل خصومه، رغم استمرار الحريري في مبادرته، ورغم أن دائرة المعترضين من المسيحيين على ترشيحه جدية.

فهل تبدو الرئاسة في لبنان سجينة قرار اتفاق الأقطاب الموارنة واختلافهم اليوم (ميشال عون، أمين الجميل، سمير جعجع، سليمان فرنجية). هذه هي الصورة التي تبرز أمام المسيحيين خصوصا، واللبنانيين عموما. فقد رمى الآخرون من اللبنانيين الكرة في هذا المربع وقالوا: احسموا أمركم وقرروا رئيس لبنان ونحن سنبارك إجماعكم على رئيس منكم أو من خارج مربعكم. ما طمح الأقطاب الأربعة إلى الوصول إليه حصل، فبات القرار رهن إجماعهم على ميشال عون أو سليمان فرنجية، أو على التعطيل وعدم انتخاب رئيس، وهذا ما هو حاصل حتى اليوم.

الصورة هذه جرى تظهيرها بإرادة الأقطاب الأربعة، وبرضى من البطريركية المارونية التي لم تعترض على حصر الرئاسة بهذا المربع حينما جرى الاتفاق تحت سقفها في بكركي وبحضور راعيها البطريك بشارة الراعي. ربما ثمة من يعتبر هذه الخلاصة غير دقيقة بل غير صحيحة. وهي تنطوي لدى من يروّج لها على تحميل المسيحيين، ولا سيما أقطابهم، مسؤولية عدم انتخاب رئيس للجمهورية. قد يكون ذلك صحيحا وقد يكون صحيحا أيضا أن الصراع الفعلي على من يملأ الفراغ الرئاسي هو على ضفة القيادات المسلمة، بفرعيها السني والشيعي، وأن ما يبدو خلافا مارونيا على حسم الرئاسة الأولى هو في جوهره خلاف سني – شيعي يجري تظهيره بأدوات مسيحية، مارونية تحديدا.

يجب الإقرار بأن الدور المسيحي في لبنان فقد خصوصيته السياسية منذ أن قرر رموزه السياسيون أن يعززوا من نفوذهم المسيحي من خلال الاستثمار في الصراع السني الشيعي داخل لبنان وفي المنطقة، من دون التفكير أو العمل من أجل إيجاد خصوصية مسيحية لبنانية ووطنية إيجابية، خارج هذا الاصطفاف السني الشيعي من دون قطيعة معه، تظهر قدرتها على خلق جاذبية لبنانية قادرة، بفعل نظام المصالح الوطني، على جذب غير المسيحيين إلى مسارها أو إلى المجال الوطني الذي يمثل بديلا عن جعل الدولة ساحة تصفية حسابات مذهبية إسلامية.

ربما بدا كبيرا إغراء الانخراط في هذا الصراع لأنه أتاح لهذه القوى فرص الارتقاء بأحزابها وعصبياتها الضيقة إلى مصاف متقدم في متاهة الصراع الإسلامي. إذ لم يستطع ما يسمى “الأقطاب المسيحيين”، إيجاد حيز مسيحي لبناني، خارج المصالح الضيقة. هذا ولا ينقص المسيحيين، كما اللبنانيين عموما، تمثيلهم الطائفي أو إعداد الموظفين في الإدارة العامة، أو عدد النواب والوزراء، وإن كانوا مسيحيين أصيلين أو صناعة “صينية”. الأزمة تتجاوز هذا التفصيل. ذلك أن المفارقة تكمن في أن أكثر الذين يعتدُّون بصفاء مسيحيتهم التمثيلية هم أكثر المستثمرين في جبهة الصراع السني – الشيعي، بحيث تبدو هذه الادعاءات بصفاء التمثيل، أو الدعوات إلى تنقية التمثيل المسيحي من شبهات أوراق الاقتراع الإسلامية، ذرا للرماد في العيون. فأكثر المدّعين من السياسيين المسيحيين في سعيهم لنقاء التمثيل المسيحي، هم الأكثر التزاما بمقتضيات الصراع السني الشيعي.

تجديد الدور المسيحي ليس معياره أن كل من يصل إلى رئاسة الجمهورية يجب أن يكون الأكثر تمثيلا أو الأقل تمثيلا. الموضوع في مكان آخر، وادّعاء أن قيادات مسيحية هي من عطّلت الانتخابات الرئاسية هو وهم. وادّعاء وجود قوة ذاتية قادرة، ليس واقعيا، كذلك الإيحاء بأنها هي من سيقرر انتخاب الرئيس، ففي هذا مزيد من إغراق المواطنين في الوهم. لبنان يحتاج دورا مسيحيا لكن لا يبدو أن أقطابه، المفروضة للرئاسة شكلا، مهيأة لمثل هذا الدور. الدور المسيحي المطلوب هو ما يحتاجه إنقاذ المسلمين الذين غرقوا في انقساماتهم العبثية والمدمرة للبنان، أي من يحمل مشروعا ورؤية باتت ملحة اليوم لاستنقاذ لبنان، بل استنقاذ المسيحيين ودورهم الخاص، ليس عبر تحسين حصص أحزابهم وأقطابهم بل بتقديم رؤية تستجيب لمتطلبات دور لبنان العربي والدولي، وضمن إعادة بلورة الدور المسيحي القادر على بناء تفاهمات إسلامية في لبنان بشرط وطني وعلى قواعد الدولة.

هذا الدور يتطلب رجالات لديهم رؤية لبناء الدولة ومتخففة من أثقال الصراع الإسلامي، وليست منهمكة في تكوين عصبية مسيحية في مواجهة العصبيات الإسلامية، ولا يشغلها اكتساح الشارع المسيحي بغرائزية غايتها الهبوط بالسياسة إلى ما دون بناء الدول.

لبنان اليوم يحتاج إلى إعادة ترميم وبناء وطنية لبنانية، والرئيس يجب أن يكون على هذا المستوى. وهذا ما يحتاجه المسلمون: رئيس لا يستثمر في الصراعات الإسلامية، بل رئيس يستثمر في بناء التقارب بين المسلمين من خلال مشروع لبناني. وهذا ما يمكن أن يشكل رافعة لدور مسيحي في لبنان والمنطقة العربية. رافعة مسيحية تتطلب وجود رؤية حضارية لدور المسيحيين كمكون عربي أصيل وفاعل في الحضارة الإسلامية، وليس الاستسلام لفكرة أن ما يجري في لبنان والعالم العربي هو أزمة بين المسلمين يدفع المسيحيون أثمانا فيها، لكنهم ليسوا معنيين بأسباب نشوئها ولا حلولها.

كاتب لبناني

علي الأمين

:: مقالات أخرى لـ علي الأمين

علي الأمين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر