الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الثالوث المحرم

تعاطي الرقابة العربية مع ثالوث المحرمات، الذي كان سابقا يصعب اختراقه، يكشف عن انتهازية الدولة، ومحاولتها الادّعاء بتوفير هامش من الحرية أمام الكتاب.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/12/15، العدد: 10128، ص(15)]

الثالوث المحرم أو المسكوت عنه أو التابو، مصطلحات شاع استخدامها في الثقافة العربية، في العقود الماضية، ويقصد بها محرمات السياسة والدين والجنس، التي مارست أجهزة الرقابة العربية سلطة المنع والمصادرة والحذف من خلالها، حتى أصبح الكاتب عاجزا عن مقاربة هذه الموضوعات تلميحا أو تصريحا، خوفا من سلطة هذه الرقابة.

ومع تنامي دور الجماعات التكفيرية والإرهاب في المجتمع العربي، منذ سبعينات القرن الماضي، أصبح دور الرقابة على المحرم الديني، يتجاوز مؤسسات الرقابة الرسمية، إلى تلك الجماعات، وأصبحت العقوبة تتجاوز المنع والمصادرة، إلى تنفيذ حكم الإعدام على الكاتب، الذي ترى تلك الجماعات أنه تعدّى على الدين من منظور تعصبها. هذا التحول الخطير في دور الجماعات التكفيرية، جعل منها سلطة رقابة جديدة، أشدّ بأسا وأكثر بطشا وخطرا على حرية الثقافة والكتابة.

لقد شكل هذا الواقع الجديد تهديدا خطيرا لهامش الحرية في مجتمع، كان يعاني أساسا من ضيق هذا الهامش، وأحيانا من انعدامه. مشكلة هذه الجماعات أنها تصادر الإسلام وترفض البحث في المسكوت عنه ضمن التراث، متخذة من العنف وسيلة للرد على أصحاب الرأي المخالف، حتى لو كان من قبل مجموعات إسلامية أخرى.

أنظمة الاستبداد العربية وجدت في هذه الظاهرة فرصتها لإشغال مثقفي التنوير، وتهديدهم بهذا البديل القادم إذا ما استمروا في مناهضتهم لها، في حين ساهم ضعف الدولة، الذي قابله نمو لفكر هذه الجماعات في بعض الأقطار العربية، في تشديد دور الرقابة على تابو الدين والجنس، بعد أن استطاعت تلك الجماعات الهيمنة على مؤسسات الثقافة فيها، وهو ما نشهده سنويا في منع عشرات الكتب، في دول تميزت بمناخها الليبرالي.

لكن المفارقة أنه بينما كانت الرقابة على المحرم السياسي تشهد تطورا خطيرا، نجم عن تغول الأجهزة البوليسية لدولة الاستبداد والقمع، كانت تلك الأجهزة تتهاون كثيرا في محرم الجنس، ولذلك وجدت الكثير من الأعمال الروائية التي تناولت هذا الموضوع، حتى بأسلوب غير فني، طريقها إلى أكثر معارض الكتب والمكتبات العربية.

هذه المفارقة في تعاطي الرقابة العربية مع ثالوث المحرمات، الذي كان سابقا يصعب اختراقه، يكشف عن انتهازية الدولة، ومحاولتها الادّعاء بتوفير هامش من الحرية أمام الكتاب، في وقت كانت لا تتسامح فيه مع أيّ كاتب يتناول ممارساتها السلطوية أو القمعية ولو بالنقد اليسير.

لقد انعكس هذا الوضع على دور وسائل النشر الخاصة، الباحثة عن الربح، ففي حين تساهلت مع تابو الجنس وبصورة نسبية مع تابو الدين، ظلت تحاذر الاقتراب من تابو السياسة لضمان توزيع أكبر لمنشوراتها في البلاد العربية وخارجها.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر